الوصية – محمد نور

هدى سألتني:

— أرن عليها تاني يا بابا؟

أنا اللي مسكت التليفون بنفسي.

رنة.

تنين.

خمسة.

عشرة.

خمسطاشر.

وأخيرًا ردت.

— ألو؟

— مريم!

سكتت لحظة.

بعدها سمعتها بتقول:

— آسفة… مين معايا؟

حسيت كأن حد ضربني بآلم على وشي.

— أنا أباكي يا هانم!

سكتت تاني.

— أه… خير يا بابا؟ في حاجة؟

شرحتلها إني جامعهم عشان نشوف مين اللي هيشيلني وياخد باله مني بعد ما مشيي بقى بتقطيم وصعب عليا.

ردها كان أبرد من التلج:

— مش هعرف أسافر دلوقتي، عندي شغل. اللي يلزمني بالقانون أدفع فيه مصاريفي لعلاجك وشيلتك، هحولهولك كل شهر.

— هو ده كل اللي عندك؟!

— حاليًا اه، لازم أرجع للمعمل دلوقتي.

وراحت قافلة السكة في وشي.

من كتر غلياني، ضربت بإيدي على الترابيزة.

بصيت للبنتين اللي خدوا الملايين:

— ماشي، مريم مش عاوزة تعرفني تاني. مين فيكم بقى اللي هتاخدني أعيش معاها في بيتها؟

هدى توهت عينها ونزلتها في الأرض:

— يا بابا… ابن أختك داخل على جامعة، والشقة دوبك على قدنا وصغيرة…

ريم نطت في الكلام على طول:

— ونحن والله يا بابا بظروف صعبة في شركة مدحت جوزي اليومين دول. وبعدين هدى قريبة منك أكتر.

— يعني بتحدفوني لبعض؟!

ولا واحدة فيهم ردت.

بصيت للترابيزة المليانة أكل وشرب وحسيت بالخزي والعار.

البنتين اللي اديتهم ثروة عمري بيدوروا على أي حجة عشان يخلوا مسؤوليتهم مني وما يشيلونيش.

والبنت اللي ما أديتهاش ولا مليم، على الأقل قالت إنها هشيل نصيبها وتتحمل المسؤولية.

ليلتها ما جانيش نوم.

قبل الفجر، لميت كام حتة هدوم في شنطة صغيرة.

كان لازم أسافر القاهرة.

كنت عاوز أبص في عين مريم وأسألها: إزاي هان عليكِ تنسي حتى صوت أباكِ؟

بس ما كانش يخطر على بالي أبدًا إن لما أوصلها وأشوفها… أنا اللي هتنكسر نفسي وأتحسر من اللي هشوفه.

الجزء الثاني

ركبت أول أتوبيس من طنطا لموقف عبود في القاهرة.

الحاجة الوحيدة اللي كنت عارفها إن مريم شغالة في مركز متخصص في ترميم الوثائق والمخطوطات. حتى مسمى شغلها بالظبط ما كنتش أعرفه.

طول السنين اللي فاتت كنت بكرر للناس إن بنتي بتكسب عيشها من “تصليح الكتب القديمة”.

لما وصلت، أخدت تاكسي.

أول ما السواق سمع اسم المكان، حواجبها اترفعوا من الذهول.

— أنت رايح تقابل حد شغال جوه يا حاج؟

— اه، بنتي.

— بسم الله ما شاء الله! ده المكان ده ما يدخلوش أي حد، لازم تبقى دماغ ثقيلة. دول بيرمموا وثائق تاريخية ومخطوطات ولوحات نادرة… حاجات تساوي ملايين!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *