الوصية – محمد نور
طول الأسابيع اللي فاتت كنت اشتريت عدد بسيطة واشتغلت في السر.
كانت فاصلة كتب (علامة قراءة) مصنوعة من خشب الصندل، وفي أعلاها حفر لوردة بسيطة.
مسكتها مريم بين إيديها الاثنين.
— مش طالعة مظبوطة أوي —قلتلها.
— لا، جميلة جدًا.
— لا، بس اتعملت بقلب صافي.
عينيها اتملت دموع.
— “الشغل النظيف ما يعرش إيدك ولا يكسر عينك” —كررت الجملة—. أخدت 73 سنة عشان أفهم إن المبدأ ده ينطبق على الأبوة كمان.
مريم حضنتني.
حضن قصير… بس بعد عشر سنين جفاء، كان عندي بالدنيا وما فيها، أغلى من كل الملايين اللي وزعتها.
رجعت طنطا، بعت شوية عدد قديمة ما بقيتش أقدر أستخدمها، ودخلت دار مسنين محترمة بقراري.
ما أديتش ولا مليم لهدى ولا لريم عشان أحل مشاكلهم.
ولا كرهتهم.
بس فهمت إن سداد غلطاتهم مش هيخليهم بنات أفضل، ولا هيخليني أب أحسن.
مريم بقت ترن عليا كل يوم حد.
نتكلم بالراحة.
ساعات تبعتلي صور لوثائق خلصت ترميمها.
وأنا أبعتلها رسومات وتصاميم للشبابيك والأبواب بتوع زمان.
بعد شهور، جالي طرد فيه كتاب عن النجارة المصرية القديمة.
وجواه صورة للمخطوطة اللي رممتها هي وفريقها.
وعلى ظهر الصورة كانت كاتبة:
“لبابا… فيه حاجات عمرها ما بترجع زي الأول بالظبط. بس ده مش معناه إنها ما تقدرش تكمل وتعيش.”
حطيت الصورة دي جنب سريري.
طول عمري كنت فاكر إن مريم بتضيع وقتها في تصليح الورق القديم.
دلوقتي عرفت إني كنت غبي وغلطان.
هي بترمم الذاكرة.
بتنقذ الحاجات اللي الناس فاكرة إنها أملها ضاع.
وهي عملت معايا نفس الشيء.
ما مسحتش الجروح اللي سببهالها.
ولا مثلت إن العشر سنين ما حصلوش.
هي بس مسكت اللي فاضل بيننا، وبصبر ودقة، بدأت ترقعه وتجمعه من تاني.
يمكن ده أصعب درس بتتعلمه لما تكبر:
فيه أخطاء ما فيش فلوس الدنيا تقدر تصلحها.
وفيه كلام بيعلم في القلوب.
وفيه أولاد مش محتاجين فلوسنا وثروتنا؛ محتاجين بس إننا نبصلهم ونفهمهم قبل ما الفأس تقع في الرأس وتفوت الأوان.
أنا وزعت 10.5 مليون جنيه وأنا فاكر إني بؤمن كبري.
واكتشفت في الآخر إن البنت اللي ما أديتهاش ولا مليم كانت الوحيدة اللي مش محتاجة لفلوسي.
الحاجة الوحيدة اللي كانت مستنياها مني طول السنين دي كانت أرخص بكتير… ولراجل أناني وعنيد زيي، كانت أصعب بكتير:
الفهم والحنية.
دلوقتي، كل ما حد في الدار يسألني مين من بناتك ورث حرفتك، برادد بنفس الجملة: