الوصية – محمد نور
ما ردتش عليه.
المبنى كان مستخبي ورا شجر ضخم، بعيد عن زحمة ووش الشوارع العمومية. في الاستقبال سألت عن مريم إسماعيل.
طلعلي راجل في الستينات من عمره يرحب بيا.
— أنت الحاج إسماعيل؟
استغربت جدًا.
— أيوة يا فندم، أنا.
— أنا الدكتور مصطفى، مدير قسم الترميم. مريم كلمتنا عنك كتير.
الكلام ده دبل أستغرابي.
— كلمتكم عني أنا؟!
ابتسم وقال:
— بتقول إنك كنت من أشطر أسطوات النجارة في طنطا.
حسيت بغصة في حلقي.
أخدني على مكتبه وبدأ يحكيلي حاجات كأنه بيتكلم عن حد تاني خالص غير اللي في بالي.
مريم ما كانتش موظفة عادية.
دي كانت واحدة من كبار الخبراء والاستشاريين في المركز.
ابتكرت طرق جديدة لإنقاذ الورق المتهالك، وكانت بتشارك في ترميم وثائق ومخطوطات من العصر المملوكي والعثماني، حاجات كان الدكاترة برة مصر فاكرين إنها راحت للابد وما لهاش علاج.
— هي حاليًا شغالة على قطعة أثرية نادرة جدًا —شرحلي—. ما ينفعش ندخل المعمل جوة، بس تقدر تشوفها من ممر المراقبة الزجاجي.
طلعت لوحدي.
ورا الأزاز الشفاف، شفت بنتي.
كانت لابسة البالطو الأبيض، والكمامة، والقفازات. قدامها وثيقة قديمة مليانة تشققات وبقع وأجزاء مفقودة.
وكان واقف حواليها تلاتة من كبار الخبراء الأجانب، أسن منهم بكثير، ومتابعين كل حركة من إيدها.
مسكت مريم ملقط صغير جدًا، وظبطت ألياف مجهرية كأنها مش باينة، وبعدها استخدمت فرشة رفيعة أوي.
ما حدش كان بيتكلم.
الكل كان مستني إشاراتها وتوجيهاتها.
البنت دي ما كانتش “بتلزق ورق مكسور”.
دي كانت شغال بنفس التركيز والشغف اللي كنت أنا من أربعين سنة بقضي بيه ليالي كاملة في الورشة بظبط وصلة خشب لحد ما تبقى حتة واحدة ومسطرة.
فجأة فهمت كل حاجة.
إحنا كنا شبه بعض بالظبط.
أنا أفنيت عمري في الخشب.
وهي، في الورق والذاكرة.
وأنا احتقرت وعاندت بالظبط الحاجة اللي كانت أكتر حاجة بتجمعنا وتوصلنا ببعض.
نزلت مكتب المدير وأنا رجليا مش شايلاني.
الدكتور مصطفى قال لي كلمة قسمت ظهري نصين:
— مريم ديماً بتقول إنها اختارت المجال ده بسببك. وهي صغيرة كانت بتشوفك بتطوع الخشب القديم والمقشر وتحوله لقطع فنية وعفش مالوش زي. كانت عاوزة تعمل نفس الشيء مع الوثائق اللي الزمن دمرها.
غطيت وشي بأيديا الاثنين.
وفجأة الباب اتفتح.
كانت مريم واقفة.