الوصية – محمد نور

ولما كنا بنتقابل، تسألني بكل أدب:

— أكلت يا بابا؟

— أيوة.

— أخدت علاجك؟

— أيوة.

وينتهي الحوار على كده.

ذوق.

محترمة.

بس بعيدة.

كأني ضيف عندها.

بعدها بدأت اتصالات هدى وريم.

في الأول كانوا بيعملوا خايفين عليا.

وبعدين الوش اتكشف على أصله.

— بابا —هدى قالتلي في التليفون في يوم—، اسأل مريم كده لو تقدر تخلي جوزي يمسك توريدات للمركز عندهم، شركته ممكن توريد خامات.

والثانية، ريم، كانت أوقع وأبجح:

— قولها تشوفلي أي شغلانة معاها. أي حاجة! طالما الماسكين الفلوس دي كلها، أكيد فيه سبوبة!

حسيت بالعار والخزي.

في يوم حد، مريم كانت قاعدة شغال على اللاب توب، لما ريم رنت تاني.

فتحنا الميكروفون بالخطأ.

— كلمتها ولا لسة؟! —زعقت ريم—. مش معقول تستأثر بكل حاجة لوحدها! إذا كانت هي بتاكل لحمة، إحنا على الأقل ينابنا شوربة!

مريم رفعت عينها من الشاشة:

— سيبها تكمل كلامها يا بابا.

فضلت ريم تلطم وتشتكي لحد ما مريم قطعت كلامها:

— عاوزة تتكلمي في الفلوس يا ريم؟ ماشي، تعال نتكلم.

نبرة صوتها اتغيرت خالص.

— أنتِ ومدحت عليكو ديون للمصارف معدية التمنمية ألف جنيه، والبنك بدأ إجراءات الحجز على شقتكم.

الخط سكت تمامًا.

أنا بصيت لمريم وأنا مصدوم.

— وشغل جوز هدى كمان تحت التفتيش عشان فيه مخالافات وضرايب متأخرة، وأغلب الفلوس اللي بابا إداهالكم راحت في سداد ديونكم وغلطاتكم.

اتسمرت في مكاني.

بناتي عمرهم ما قالولي كلمة عن المصايب دي!

— أنتِ عرفتِ الكلام ده منين؟! —ريم همست وهي مرعوبة.

— عشان من أول ما بدأتم تسألوا بابا عن مشروعي، كان لازم أأمن نفسي وأعرف مين اللي بيحاول يضغط عليا ويستغل بابا.

مريم قفلت اللاب توب.

— حلوا مشاكلكم بنفسكم، أنا مش هدفع ديون حد.

وقفلت السكة.

ليلتها فهمت حقيقة مرعبة.

أنا وزعت ثروتي وأنا فاكر إني بكافئ البنات “الصالحة”.

هدى وريم اتعلموا مني الدرس بالظبط: إن الحنية والقرب بيتقاسوا بالفلوس.

مريم كانت الوحيدة اللي رفضت تدخل اللعبة دي.

وعشان كده أنا عاقبتها.

بدأت أقرأ في كتبها اللي في الشقة.

ما كنتش فاهم نصها.

بس عرفت إن عشان ترمم ورقة قديمة، لازم تدرس الألياف، والأحبار، والحرارة، والرطوبة.

عرفت إن التصليح الغلط ممكن يدمر الوثيقة للأبد وما تترقعش تاني.

في يوم، شفت باب أوضتها مفتوح.

كانت مريم بتتكلم فيديو كول مع بروفيسور إيطالي شعره أبيض، بيتكلموا إنجليزي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *