الوصية – محمد نور
— بابا… أنت إيه جابك هنا؟
قمت من مكاني بالراحة:
— جيت عشان أقولك: سامحيني يا بنتي.
قبل ما تلفظ بكلمة، تليفوني رن.
كانت ريم.
— بابا! إحنا عرفنا مين مريم! دي طلعت الرمامة الشهيرة اللي بتوقع باسم “م. إسماعيل”! بيقولوا المشروع الجديد بتاعها ميزانيته مية مليون جنيه!
مريم مدت إيدها:
— هات التليفون يا بابا.
ناولتهولها وأنا ساكت.
ولما بدأت تتكلم مع أختها، عرفت إن اللي هسمعه دلوقتي هيطلع للعلن كتمان عشر سنين وأسرار ما كانش عندي علم بيهم.
الجزء الثالث
— أيوة يا ريم، أنا —قالتها مريم بثبات.
ريم بدأت تتكلم بسرعة ومن غير ما تاخد نفسها:
— معاكِ مية مليون وما تقوليلناش؟! إحنا أهلك وعيلتك! بابا تعبان ومحتاج، كنتِ قادرة تأجريله ممرضين، وتجيبيله شقة، وتساعدينا كلنا…
مريم غمضت عينيها كام ثانية.
— أولاً: المية مليون دول مش في جبي. دي ميزانية أبحاث وأجهزة وأطقم ترميم وتدريب على مدار سنين، وكل مليم فيها تحت الرقابة والمراجعة.
ريم سكتت.
— ثانياً —كملت مريم—، واجبي ناحية بابا ما بيتغيرش عشان فيه مشروع ولا ما فيش. أنا هلتزم باللي عليا في مصاريفه ورعايته.
— بس إحنا أخواتك!
مريم قطعت كلامها:
— وكنا أخوات برضو لما بابا حرماني من الورث وما حدش فيكم فتح بؤه بكلمة؟
حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجليا.
— وفكارة يا ريم أنا مشيت ليه؟ —زادت مريم—. بابا قال لي لو اخترت التعليم ده ما تدخليش البيت ده تاني.
ما قدرتش أرفع عيني فيها.
أنا فعلاً قلت الكلام ده.
طول السنين اللي فاتت كنت بضحك على نفسي وبفتكر الموضوع بشكل تاني… كنت بمني نفسي إن مريم مشيت عشان كبرياءها وعنادها.
لكن الحقيقة المرة: أنا اللي طردتها.
ريم حاولت تلف وتدور في الكلام:
— خلاص يا مريم ده كلام قديم، بابا دلوقتي محتاج…
— بابا معايا وفي حمايتي —ردت مريم—. ما تقلقيش.
وقفلت الخط.
المكتب بلم وحل فيه الصمت.
— مريم…
— مش محتاج تشرح حاجة النهاردة يا بابا —قالتها وهادية.
ما كانش فيه غل في صوتها.
وهذا الهدوء هو اللي وجعني أكتر وأكتر.
خصصتلي شقة صغيرة تبع المركز، شقة مفروشة للباحثين اللي بيجوا زيارات. كانت بسيطة: أوضة وصالة ومطبخ صغير، ورفوف مليانة كتب عن الكيمياء والتاريخ والترميم.
أول أسبوع تقريبًا ما كناش بنتقابل.
كنت باكل لوحدي.
هي تطلع المعمل بدري، وترجع ساعات بعد الساعة حداشر بالليل.