الصباحية- حكايات محمد نور

الجزء الأول: بيت العيلة وصمت الفجرية

​كانت الساعات الأولى من الصبحية عَدّت، والساعة دقت عشرة والناس رايحة وجاية، ومرات الابن لسه غرقانة في نومها جوه بيت حماها. الحاجة “أم أحمد” دمها كان بيغلي، راحت ساحبة عصاية مقشة خشب من ورا الباب، ونوت تطلع تصحيها بالعافية وناشف… بس يا دوب مدت إيدها وشالت الغطا، الصرخة وقفت في زورها ونشفت في حلقها!

​الليلة اللي قبلها، الفرح مخلصش غير وش الفجر.

​المعازيم مشيوا، والدي جي سكت، والبيت اللي كان منور بالأنوار والزينة من كام ساعة، بقى شكله يصعب على الكافر؛ كأن إعصار دخل وشقلب حاله. المواعين مكومة في المطبخ تلال، بقع الزيت والسمنة مغرقة البلاط، ورق الورد المدوس بالجزم مالي كل ركن، وريحة المحشي واللحمة لسه كاتمة على نفس المكان.

​أما الحاجة فاطمة.. فـ دي ست بيت من وعي الدنيا، متعرفش يعني إيه راحة.

​رغم إن رجليها كانت ورمة وضهرها قايد نار من الهلكة وطول الوقفة، فضلت واقفة على رجليها تنظف وتكنس لحد ما إيديها بقت تترعش. غسلت المواعين، ومسحت الطرابيزات، ولمت الزبالة، وكنست السلم، ورتبت كل شبر في الشقة زي ما الكتاب بيقول.. أصل البيت النظيف بيبان من عنوانه.

​في الوقت ده، كان ابنها البكري أحمد وعروسته الجديدة منى، طلعوا شقتهم اللي فوق من بدري.

​والحاجة فاطمة عينها مغابتش عنهم.

​سكتت في الأول ومقالتش حاجة، بس جوة قلبها، حتة مرار سودا بدأت تكبر وتِعشّش.

​برطمت ونفخت وهي بتكلم نفسها: «من أول ليلة ليها في البيت ده؟ وعايشة دور الهانم الملكة من أولها كده؟!»

​على الساعة تلاتة بعد نص الليل، العجوزة هبطت، رمت جثتها على كرسي خشب في الصالة وقفت عينيها ثانية.. مخدتش بالها إمتى سحبها النوم من كتر التعب.

​بس يا دوب الفجر شقشق، وكانت صاحية زي المنبه.

​الساعة خمسة الصبح، لمّت شعرها، وربطت المريلة على وسطها، وبدأت دورة تنظيف جديدة. البيت لسه فيه ريحة السجاير والحاجة الساقعة المدلوقة والأكل المسبك. مع كل خطوة، ركبها كانت بتطقطق من الوجع، بس عزمها مبردش.

​الساعة ستة عَدّت…

وبعدها سبعة…

والساعة دقت تمانية…

​ومفيش حس ولا خبر من الشقة اللي فوق.

​على الساعة تسعة، الحاجة فاطمة كانت بتنهج، وإيدها ساندة على وسطها من ورا، وبتبص للسلم بنظرات كلها غيظ وشرار.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *