الصباحية- حكايات محمد نور
الكوبري!
الدم نشف في عروق الحاجة فاطمة من الرعب. كل الناس في البلد عارفين الكوبري المهجور اللي على أطراف البلد فوق القناطر الغريقة، المكان اللي بيروح له كل واحد قفلت الدنيا في وشه وناوي ينهي حياته.
جرى الحاج إبراهيم ناحية الباب: «أنا هكلم المركز والشرطة!»
بس منى قفشت فجأة في معصم الحاجة فاطمة بقوة غريبة وهمست: «استني».
انحنت الحاجة فاطمة عليها، فـ بصت منى في عينها وقالت: «كان فيه حد تاني امبارح بالليل».
توقف الحاج إبراهيم عند الباب، ونظرت الحاجة فاطمة لمنى قائلة: «قصدك إيه؟»
بلعت منى ريقها بالعافية: «الست اللي جت امبارح… دي مش حد غريب».
«مين دي؟»
نزلت دموع منى على مخَدتها: «أمي».
الأوضة رجعت هس هس تاني، والتفت الحاج إبراهيم ببطء ووشه جايب ألوان.
تابعت منى وكل كلمة بتطلع منها أضعف من اللي قبلها: «جت بعد الفرح، ووقفت عند البوابة التحتانية. قالت إنها استنت كتير، وإنها مش هتعيشنا في كدبة».
بصت الحاجة فاطمة للحاج إبراهيم بنظرة كلها كره وكسرة قلب: «وإنت عرفتها؟»
همس الحاج إبراهيم بصوت مخنوق: «أمل».
هزت منى راسها بحركة خفيفة: «ورّت أحمد صورة قديمة، وبعدين شهادة ميلاد. وبصت للحاج إبراهيم وقالت له: (قول لهم إنت، وإلا هفضحكم وسط البلد)».
اتهد حيل الحاج إبراهيم: «كنت عايز أفرهم الحكاية، بس أحمد بص لي نظرة حسيت إنه بيقول لي إنت دمرت حياتي».
انكسر صوت منى وهي بتكمل: «صوت وزعق وجمّع الذنب كله عليه وعليّا. حاولت أقفشه وأمنعه وهو بيجري زي المجنون، رجلي اتعبلت ووقعت خبطت جامد في حافة الكومودينو…»
حطت الحاجة فاطمة إيدها على بقها بذهول. يعني الدم ده مش من حاجة وحشة أحمد عملها فيها، ده بسبب إن البنت كانت بتموت عشان تحوش أحمد وتنقذه!
حست العجوزة بالخزي والعار من كل فكرة وحشة جرت في بالها الصبحية دي. وقفت تحت تندد وتقول عليها كسلانة، وطلعت السلم وفي إيدها عصاية، ومنى طول الوقت ده مرمية متصابة، ومكسورة بسبب ذنب وحقيقة مالهاش أي دخل فيها.
أخدت العجوزة إيد منى وبستها وهي بتوشوش: «سامحيني يا بنتي.. حقكِ عليّا».
بس عين منى كانت بتقفل تاني: «الحقوا أحمد…»
وقفت الحاجة فاطمة وتغيرت ملامحها تماماً. ما بقتش الحماة الحرباية الغضبانة؛ بقت أُمّ.. أم مرعوبة على ضناها والوقت بيجري منها.