المليونيرة صاحبة المخبز – محمد نور

المليونيرة صاحبة المخبز – محمد نور

عندما ألقى طارق أوراق الطلاق على الطاولة، كنتُ أُطعم ابنتنا ذات الـ18 شهرًا.

كانت لطيفة قد تلطخت وجنتاها بالطعام، وما إن رأت والدها يدخل حتى ابتسمت وفتحت ذراعيها وهتفت:

— بابا!

لم ينظر طارق إليها حتى.. كانت عيناه مثبتتين عليّ ببرود:

— وقّعي. لطيفة ستبقى معي، وسأمنحكِ ثلاثة ملايين ريال.. هذا أكثر من كافٍ لتختفي بكرامة.

لم أبكِ.. فخلال ثلاث سنوات من الزواج، تعلمتُ أن البكاء أمام طارق لا يحقق سوى شيء واحد: أن يزدريني أكثر.

قلتُ له:

— لطيفة لن تبقى معك.

تجهّمت ملامحه وقال:

— لستِ أنتِ من يقرر ذلك.

— أنا أمها.

ردّ بنبرة هادئة كمن يقرأ بنود عقد تجاري:

— وأنتِ أيضاً امرأة بلا شهادة جامعية، بلا وظيفة، وعشتِ ثلاث سنوات تعتمدين كلياً على عائلتي.

كل كلمة نُطقت بالهدوء ذاته لقصاب يقرأ بنود عقد. بالنسبة لطارق، كان زواجنا دائماً مجرد عقد لم يرغب يوماً في توقيعه.

كان والدي قد عمل لمدة ثلاثين عاماً سائقاً خاصاً لجدّه، وعندما مرض الجد مرضاً عضالاً، طلب أمنية أخيرة قبل وفاته: أن يتزوجني طارق.

ظنّ طارق أن عائلتي استغلت رجلًا يحتضر لتتسلل إلى الطبقة الراقية، ولم يعلم قط أن والدي ترجّاه وهو يجثو على ركبتيه ليرفض هذا الزواج.. لم يرغب طارق يوماً في معرفة الحقيقة.

تناولتُ القلم الذي وضعه على الطاولة. كان قلمًا فاخرًا من ماركة “مون بلان” أهديته إياه في عيد ميلاده، بعد أن وفرت ثمنه لشهور. وحين قدمته له وقتها، ألقى عليه نظرة سريعة وقال: “لا ترهقي نفسكِ مجدداً، لن أشكركِ على هذا.”

والآن، كان يستخدم القلم نفسه ليشتري خروجي من حياته.

وقّعتُ.. فرفع حاجبيه قليلاً، إذ لم يتوقع أن يكون الأمر بهذه السهولة.

قلتُ له:

— لكن لديّ شرط.. لطيفة ستعيش معي حتى تبلغ الثالثة، وبعدها إن كنتَ لا تزال تريد الحضانة، سأسلّمها لك.

— ولماذا قد أوافق على ذلك؟

— لأنها لا تزال في سن الرضاعة. محاموك قد يكونون الأفضل في البلاد، لكنهم لن يستطيعوا تغيير القانون.

ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، نظر إليّ طارق وكأنه يكتشف للتو أن لي صوتاً.. ووافق.

قبل أن يغادر، مال نحوي وقال:

— بعد ثلاث سنوات أريد ابنتي. وإذا حاولتِ خداعي، سأحرص على ألا تجد عائلتكِ عملاً حتى في تنظيف الشوارع.

كانت تلك لحظة وداعنا.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *