صدمة خشة الدجاج- محمد نور

عُدتُ من السفر من إحدى الدول الأوروبية قبل موعدي، وهرعتُ نحو خشة الدجاج خلف المزرعة بعد أن سمعتُ أصوات طرقات متتالية. وهناك صُدمتُ حين وجدتُ كَنّتي (زوجة ابني) ملطخة بالتراب، تُخفي حبيبات الذرة في جيبها سراً، بينما كان ابني يتناول عشاءه في الداخل بكل أريحية. وقال لي دون أن يطرف له جفن: “إن كانت تجوع، فذلك لأنها لم تتعلم بعد كيف تطيع الأوامر!” لم أجادله.. بل التقطتُ صوراً للمكان، وأخذتها إلى المستشفى، ثم اتصلتُ بـمحامية. لكن التقرير الطبي كشف عن أمرٍ لم تكن هي نفسها تعلم عنه شيئاً!

الجزء الأول

أدركت “أمينة” أن ثمة خطباً ما حتى قبل أن تتخطى بوابات المزرعة.

عادت إلى ديارها في إحدى قرى أطراف المدينة بعد ٧ سنوات من العمل المغترب في الخارج، وهي موقنة بأن مفاجأة ابنها “طارق” ستكون خطوة -وإن كانت حذرة- لرأب الصدع وترميم ما فاتهما من زمن. لكن بيت العائلة لم يعد كما عهدته؛ فالمصاريع مغلقة في منتصف الظهيرة، والأرض جافة بلا زرع، والمزرعة خاوية تماماً من العمال.

وفجأة، سمعت ٣ طرقات حادة قادمة من خلف المخزن.

تتبعت الصوت حتى وصلت إلى خشة الدجاج. كان “طارق” يقف عند الباب يرتدي ثوباً فاخراً وساعة جديدة، وممسكاً بهاتفه في يده.

قال موجهاً كلامه للداخل:

— “أنهي التنظيف قبل هبوط الليل.. ولا تعودي لطلب الطعام مجدداً!”

وقفت “أمينة” متسمرة في مكانها:

— “مع من تتحدث يا طارق؟”

التفت “طارق” وانخطف لونه:

— “أمي! ما الذي أتى بكِ الآن؟”

— “من بالداخل؟”

— “إنها ليلى.. إنها معاقبة لأنها أثارت المتاعب مجدداً.”

كانت “ليلى” هي زوجته. عندما سافرت “أمينة” قبل سنوات، كانت تلك الفتاة البالغة من العمر ٢٤ عاماً تدرس التمريض، وتضحك ببساطة، ولا تفارقها دفتر ملاحظاتها الممتلئ بالأحلام. أما الآن، فلم يكن يُسمع خلف الباب أي صوت.

دفعت “أمينة” ابنها جانباً ورفعت القفل.

كانت “ليلى” تجلس على كيس خيش متمزق، شعرها متلبد، وثيابها متسخة، وشفتاها مشققتان من العطش. كانت تقبض على بضع حبيبات من الذرة في يدها، وتخفي بقيتها في جيب ثوبها.

عندما رأتها، حاولت الوقوف.. لكنها لم تستطع.

سألتها “أمينة” بذهول:

— “منذ متى وأنتِ هنا؟”

نظرت “ليلى” إلى “طارق” بوجل قبل أن تجيب:

— “أنا.. أنا بخير.”

— “بل لستِ بخير أبداً!”

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *