والدة الاقطاعي – محمد نور

والدة صاحب المزرعة لم تذق الطعام منذ أشهر… حتى قدمت الطباخة الجديدة أول وجبة لها.

كانت الحاجة أمينة قد قضت تسعة عشر يوماً دون أن تمس حبة طعام، حين فقد ابنها “الحاج رفيق” أعصابه وطرح الطبق أرضاً، مقسماً أن يطرد الطباخ القادم دون أجر إن فشل هو الآخر.

كانت “مزرعة النخيل”، القابعة بين التلال الجافة، تعد لسنوات طويلة واحدة من أثرى وأكبر مزارع المنطقة. لكن لم يتبقَ داخل البيت الكبير أي أثر لتلك النعمة؛ فالستائر ظلت مغلقة، وصالة الطعام أصبحت مهجورة، حتى العمال كانوا يتحدثون بهمس وكأن الحزن يترصد لهم.

الحاجة أمينة، التي بلغت الثمانين من عمرها، كانت روح المكان وقلبه النابض؛ تطبخ للعمال، وترعى النساء، ولا تسمح لأحد أن يغادر بابها خاوي البطن. لكن كل شيء انتهى قبل سبع سنوات، حين اندلع حريق هائل في حظائر المزرعة أودى بحياة زوجها وابنها الأصغر “هشام”.

نجا “رفيق” لأنه كان في المدينة ينتهي من إبرام صفقة تجارية في تلك الليلة. ومنذ ذلك الحين تحول إلى رجل قاسي الطباع، متسلطاً يفرض سيطرته على كل صغيرة وكبيرة تحت سقفه. لم يبكِ أمام أحد قط، ولم ينطق باسم “هشام” ثانية. وعندما بدأت والدته تضرب عن الطعام، حاول إنقاذها بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: إصدار الأوامر.

— ستنهين هذا الحساء كاملاً.

لكن أمينة كانت تدير وجهها عنه.

— أحضروا طبيباً آخر!

وكان الأطباء يأتون ويقيسون علاماتها الحيوية ثم يغادرون بالنتيجة ذاتها: جسدها قادر على استقبال الطعام، لكنها هي من فقدت الرغبة في الحياة.

في وسط هذه الأجواء، ظهرت “رحاب”، فتاة في الرابعة والعشرين من عمرها، جاءت سيراً على الأقدام من قرية مجاورة بحقيبة قماشية وزوج من الأحذية التي يعلوها الغبار. سمعت أن “مزرعة النخيل” بحاجة إلى طباخة، وأن أحداً لا يستمر هناك أكثر من أسبوع.

نظر إليها رفيق من الأعلى إلى الأسفل وقال بنبرة حادة:

— طردت طباخين تعلموا الطهي في أكبر فنادق العاصمة، فما الذي تحملينه أنتِ؟

ردت بثبات:

— رغبة صادقة في العمل.

أطلق ضحكة ساخرة وقال:

— أمي لا تأكل.. وإن لم تأكل من يدك فسترحلين فوراً، ولا تنتظري أن تدفع لكِ فلس واحد مقابل اللعب بأواني مطبخي.

ضغطت رحاب على شفتيها لكنها لم تخفض رأسها:

— أوافق، ولكن بشرط واحد: المطبخ مملكتي ولا أحد يتدخل فيه. لا أحد يغير المكونات، ولا أحد يتذوق ما أعده للحاجة أمينة، ولا أحد يجبرني على تقديم شيء لا ترغبه.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *