الوصية- محمد نور
وبصيت للظرفين المقفولين اللي كان خط أبويا واضح عليهم، وحسيت بحاجة معرفتش أسميها.
أمي كانت لسه قايلة قدام ناس كتير إن أبويا المتوفي مش أبويا.
وفي نفس الوقت، أبويا كان سايب ظرفين مقفولين عند المحامي.
ومهما حاولت، مقدرتش أتخلص من الإحساس إن الحاجتين دول على وشك إنهم يتصادموا.
وفعلًا، ده اللي حصل.
بعد حوالي عشرين دقيقة، المحامي كان هيفتح الظرفين، ويبص لأختي، وبعدها يبص لي، وبعدين يسأل أمي سؤال واحد بس.
سؤال كان كفيل إنه يمسح الابتسامة الهادية من على وشها.
لكن خليني ماستبقش الأحداث.
لأن كل حاجة مهمة حصلت في الغرفة دي خلال حوالي ساعة واحدة، بينما رجل كان بيقرأ كلمات راجل ميت من ورقة.
المحامي كان اسمه الأستاذ فريد منصور، وكان في حدود الستين سنة.
راجل نحيف وهادي، بيلبس نظارة قراءة، وعنده طريقة بطيئة في الكلام والتصرف، طريقة واحد شاف عائلات كتير وهي بتتفكك قدامه، واتعلم إنه مايبينش على وشه أي حاجة.
كان قاعد على رأس الترابيزة الطويلة، قدامه ملف جلدي، والظرفين المقفولين على جنب.
على يمينه كانت أمي، عايدة الشامي، عندها تمانية وخمسين سنة.
ضهرها مفرود، إيديها متشابكة، ودقنها مرفوعة شوية.
كانت طول عمرها بتحرص إنها تبقى أكتر واحدة متماسكة في أي مكان، والنهارده كانت مصممة تفضل كده.
جنبها كانت أختي الصغيرة داليا، عندها تلاتين سنة، أصغر مني بثلاث سنين.
كانت لابسة فستان رمادي هادي، وبتلمس عينيها بمنديل من وقت للتاني، رغم إن عينيها ماكانتش مبلولة بالشكل اللي كانت بتحاول تظهره.
أما أنا، سلمى، عندي تلاتة وتلاتين سنة، فكنت قاعدة في آخر الترابيزة، بعيدة عنهم شوية.
وده تقريبًا كان مكاني طول عمري.
أنا فنية لحام، وبيدّي شغلي عيشي.
بدير ورشة صغيرة لأعمال الحديد المشغول في القاهرة؛ بوابات وأسوار وسلالم، وأحيانًا قطع فنية بسيطة.
أنا بحب شغلي.
بحب إن الحديد ما بيكدبش عليك.
تسخنه، تشكله، تسيبه يبرد، وفي الآخر يفضل ماسك الشكل اللي إنت اديتهوله.
أمي كانت بتكره إني بشتغل الشغلانة دي.
بالنسبة لها، البنت اللي تيجي على الغدا العائلي وذراعيها عليها آثار حروق وضوافرها فيها تراب وحديد كانت حاجة محرجة.