المهرة العرجاء

## الجزء الثاني: من قاع الانكسار إلى قمة المجد

كانت أول مسابقة لخيول الأدب والسرعة يشترك فيها يونس في مضمار صغير على أطراف محافظة الغربية. وصل هناك بقميص أبيض قديم مرقّع، وحذاء “بوت” مستهلك، وحزام بسيط اشتراه قبل سنوات من سوق الجمعة. في المقابل، كان الفرسان الآخرون يصلون بسيارات دفع رباعي فارهة، ومعهم خيول تبرق من شدة الاهتمام، وسروج فاخرة، وفريق كامل يخدمهم.

لم يلتفت أحد إلى يونس.

بعضهم نظر إلى المهرة “رماد”، ولكن فقط ليتندروا عليها بابتسامة سخرية وشفقة.

— “هو الزملكاوي الأشهب ده جاي ينافس بجد؟” همس أحدهم ضاحكاً.

لم يرد يونس. اقترب من “رماد” بهدوء، عدّل السرج، وفحص اللجام، ثم ربّت على رقبتها وهمس في أذنها:

— “أنا وأنتِ وبس اللي عارفين قيمتنا يا رماد.. وريهم.”

عندما دخلوا إلى المضمار، كان الجمهور لاهياً؛ أطفال يأكلون غزل البنات، رجال يتحدثون عن المراهنات، ونساء يلوحن بالمراوح اليدوية هرباً من القيظ. وفجأة.. انطلقت صافرة البداية!

هنا.. لم تركض “رماد”، بل **انفجرت كالإعصار**!

طار الغبار تحت حوافرها كالدخان الأبيض. كانت المهرة تلف وتدور، وتقف فجأة ثم تنطلق بسرعة البرق، تطيع كل إشارة من يد يونس وكأنهما جسد واحد وروح واحدة. لا عنف، لا خوف، لا قوة مهدرة.. بل كان تناغماً وثقة مطلقة.

ساد الصمت أرجاء المضمار، ثم تحول الصمت إلى همس ذهول، وانفجر المكان فجأة بهتاف وتصفيق هزّ الأركان!

عندما أعلنت النتيجة، فاز يونس بالمركز الأول.

كانت الجائزة المالية بسيطة، لكنها بالنسبة له كانت طوق النجاة. اشترى بها علفاً ممتازاً، ودفع كشفاً لبيطري كبير ليطمئن عليها، واحتفظ بالباقي في علبة صفيح خبأها تحت سريره.

من هنا بدأت الرحلة..

مسابقات إقليمية، مضامير ممتلئة بالبشر، طرق سفر طويلة، وليالٍ ينام فيها يونس في صندوق سيارة ربع نقل مستعارة. كانت “رماد” دائماً نظيفة، شبعانة، ومعززة قبل أن يفكر هو في نفسه. فاز يونس في طنطا، ثم في المنصورة، وبعدها في خيول نوادي الإسكندرية.

هناك، لمحه مدرب خيول شهير يُدعى **”الكابتن عاصم الشناوي”**.

انفرد به بعد المسابقة وسأله:

— “أنت بتدرب فين يا ابني؟”

أشار يونس بيده إلى الأفق المفتوح وقال:

— “في أي حتة واسعة تلمنا يا كابتن.”

نظر إليه عاصم طويلاً ثم قال:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *