المهرة العرجاء
جاء الباشا مستسلماً لتلقي أمر الطرد الفعلي، وجاءت فريدة بجانبه.
تحدث يونس بوضوح وصوت جهوري:
— “العزبة دي نظامها هيتغير من النهاردة. مفيش بني آدم هيتعامل كأنه آلة، ومفيش حيوان هيتعامل كأنه جماد. أنا هحول العزبة دي لمركز دولي لتدريب وتأهيل الخيول، ومدرسة لتعليم الفروسية لأولاد الفلاحين والناس البسيطة اللي مش قادرة على مصاريف النوادي.”
نظرت إليه فريدة بذهول غير مصدقة.
تابع يونس ملتفتاً إليها:
— “وأنا محتاج حد بيفهم في الزراعة عشان نصلح الأرض دي ونرجع خيرها.. لو حابة تشتغلي، مكانك موجود.. براتب، وبعقد قانوني، ومسؤوليات حقيقية.”
انقطع نَفَس فريدة وقالت:
— “بعد كل اللي حصل؟”
رد يونس:
— “عشان كل اللي حصل بالذات.. لازم نصلحه.”
ثم التفت للباشا إسماعيل:
— “وأنت يا باشا.. تقدر تقعد في البيت الصغير اللي جمب الساقية لمدة 3 شهور لحد ما تشوف مكان يناسبك. مش هتقعد هنا بصفتك صاحب المكان.. هتقعد كضيف. لو حابب تساعد في الإشراف على العمال والزراعة، أهلاً بيك، بس هتتعامل من تحت.. مش من فوق. مش حابب.. الباب يفوت جمل.”
جز الباشا على أسنانه، وكان كبرياؤه يصارع داخله كوحش عجوز منازع، لكن في النهاية، علمه الانكسار ما لم يعلمه له الجاه والنفوذ طوال عمره:
— “أنا عمري ما اشتغلت من تحت يا يونس.”
نظر يونس في عينيه وقال:
— “العمر ملوش دخل.. مفيش وقت متأخر على العلام.”
مرت الأشهر..
وتحولت عزبة المنشاوي من مكان يسكنه الخوف والظلم، إلى مكان يضج بالحياة؛ شباب يتدربون، خيول مريضة تُشفى وتسترد قوتها، أطباء بيطريون يدخلون ويخرجون، وعائلات بسيطة تأتي لمشاهدة العروض.
عملت فريدة من الفجر وحتى مغيب الشمس، وتعلمت كيف تعتذر ليس بالكلام، بل بالجهد والعمل. أما الباشا إسماعيل، فقد بدأ يمسك المكنسة وينظف الإسطبلات؛ فعل ذلك في البداية بغضب ومرارة، لكن في يوم من الأيام، لمحه يونس وهو يمسح على ظهر مهرة مريضة بحنان خجول وتواضع لم يعهده فيه أحد من قبل.
أما “رماد”، فكانت تعيش في أفضل وأوسع مرعى بالعزبة؛ حرة، قوية، ومهابة من الجميع. كان الأطفال الذين يأتون للمدرسة يسألون يونس بفضول: “هو بجد المهرة دي كانت عرجاء والناس رموها؟”
كان يونس يبتسم ويرد دائماً بنفس الجملة:
— “محدش رماها يا أولاد.. هي بس كانت مستنية الشخص الصح اللي يبص لها بقلبه.. مش بعينه.”