المهرة العرجاء
أخفضت فريدة رأسها وقالت بصوت مرتعش:
— “يونس..”
نظر إليها يونس.. ولأول مرة، كانت نظرته خالية من وجع الماضي.
— “أهلاً يا فريدة.”
تنفست الصعداء وقالت:
— “أنا آسفة.”
التفت إليها الباشا بذهول وغضب:
— “بتتأسفي له على إيه؟!”
رفعت فريدة صوتها وهي تبكي:
— “بتأسف عشان أنا شفت! شفت طول السنين دي وكنت ساكتة. شفتنا وإحنا بنعامل العمال كأنهم مش بشر، وشفتنا وإحنا بنرمي الخيل لما تعجز أو تمرض، وشفتك وأنت فاكر إن الاحترام بييجي بالخوف والترهيب. والليلة اللي يونس جيه يكلمني فيها.. أنا خليته يحس إنه شفاف ومالوش قيمة.. أنا كمان كنت شريكة في الذنب ده!”
تشنج وجه الباشا وقال:
— “أنا عملت كل ده عشان أحمي اسم العيلة ومكانتها!”
قالت فريدة وهي تنشج:
— “لأ يا بابا.. أنت عملت كل ده عشان تحمي كبرياءك وبس!”
لم يشمت يونس في هذا الخناق، ولم يبتسم.. فليس من الرجولة أن يفرح بتفكك عائلة أمامه.
مشى بهدوء نحو المقطورة وأنزل “رماد”.
بمجرد أن لمست حوافر المهرة تراب العزبة، رفعت رأسها عالياً وصهلت صهلة قوية، وكأنها عرفت كل شبر هنا: الساقية القديمة، الإسطبلات، وشجرة الجميز الكبيرة بجوار السور. نظر إليها الباشا وكأنه يرى شبحاً عاد من الموت.
همس الباشا:
— “المهرة دي.. مش ممكن تكون هي!”
مسح يونس على رقبة “رماد” وقال:
— “أنت رميتهالي يا باشا عشان كنت فاكر إن مالهاش عازة.. وخسارة فيها اللقمة.”
لم يجد الباشا رداً.
تابع يونس:
— “نظرتك خابت فيها.. وخابت فيا.”
أطرق العجوز رأسه في الأرض، ولأول مرة في حياته، لم يجد عبارة متعالية يدافع بها عن نفسه.
قانوناً، كان معهم مهلة 72 ساعة للإخلاء. كان بإمكان يونس أن يطردهم في الشارع بنفس الطريقة الإجرامية التي طردوه بها؛ يلقي بأثاثهم وذكرياتهم خارج البوابة. كان يملك الحق القانوني، ويملك الجرح القديم الذي يبرر له ذلك.
لكنه في تلك الليلة لم ينم..
مشى في الإسطبلات الواسعة، لمس الجدران التي عرق تحتها لسنوات. تذكر اليوم الذي خرج فيه بحقيبة قماش ومهرة عرجاء، تذكر بكاءه في عشة العم جابر، وصبره وهو يداوي “رماد”. وهنا فهم شيئاً هاماً: *لو حولت نجاحي لانتقام وتصفية حسابات، العزبة دي هتفضل مكان ضلمة ومليان كره.. بس الوشوش هي اللي اتغيرت.*
### بداية جديدة
في الصباح التالي، جمع يونس الجميع في ساحة البيت.