المهرة العرجاء

بعد سنة، وفي الافتتاح الرسمي لمركز “رماد” للفروسية، وقفت فريدة على المنصة الصغيرة أمام العمال، وأهالي البلد، والطلاب. وقالت بصوت متحشرج من الدموع:

— “أنا كبرت وأنا فاكرة إن في ناس بتتولد فوق وناس بتتولد تحت.. والعزبة دي كانت هتضيع بسبب الكدبة دي. النهاردة أنا عرفت إن مفيش حد بيكبر لما يصغّر الناس اللي حواليه.”

كان يونس يقف في الخلف، مستنداً على “رماد”، يستمع إليها في صمت.

عندما نزلت، اقتربت منه وقالت بصوت خفيض:

— “أنا مش طالبة منك تنسى اللي فات يا يونس.”

رد يونس:

— “أنا منستش.. بس خلاص، مبقاش يوجع زي الأول.”

ابتسمت والدموع في عينيها:

— “ده معجزة في حد ذاته.”

نظر يونس إلى “رماد” وهي ترعى تحت أشعة الشمس الذهبية وقال:

— “لأ.. دي مش معجزة، ده نتيجة تعب وشقى.”

في ذلك العصر، وبينما كان الطلاب يركضون في الساحة وصوت صهيل الخيل يملأ المكان، اقترب الباشا إسماعيل من يونس بخطوات بطيئة:

— “يا يونس..”

التفت إليه يونس:

— “أهلاً يا إسماعيل بيه.”

تردد العجوز طويلًا، ثم قال وعيناه في الأرض:

— “أنا ميرمتلكش مهرة عرجاء بره العزبة زمان.. أنا من غبائي، اديتك أحسن وأنضف حاجة كانت باقية في المكان ده.”

نظر إليه يونس بصمت.

أطرق الباشا رأسه أكثر وقال بنبرة خافتة صادقة:

— “سامحني.”

لم يكن اعتذاراً منمقاً، ولم يكن مثالياً، لكنه كان حقيقياً ولأول مرة يخرج من أعماق قلبه. لم يأخذه يونس بالأحضان، فلم تكن هناك حاجة لذلك، بل اكتفى بهز رأسه دليلاً على قبول الاعتذار والصفح.

مع حلول الليل، وذهاب الجميع، وجدت فريدة يونس واقفاً بمفرده بجوار السور، وكانت “رماد” في نهاية المرعى، يغمرها آخر ضوء ذهبي للشمس الغاربة.

سألته فريدة:

— “أنت مبسوط يا يونس؟”

فكر يونس في الحقيبة القماشية القديمة، في الـ 9 آلاف جنيه التي طُرد بها، في الطريق الترابي الطويل، في المهرة التي كانت توشك على الموت، وفي كل باب أُغلق في وجهه، وكل فجر اشتغل فيه دون أن يراه أحد سوى الله.

ثم نظر حوله.. إلى العزبة التي دبت فيها الروح والرحمة والخير.

وقال:

— “الحمد لله، مبسوط.. بس مش عشان اشتريت المكان اللي أهانني في يوم من الأيام. أنا مبسوط لأن مبقاش جوايا رغبة إني أثبت لأي حد في الدنيا.. إني بني آدم وليا قيمة.”

وقفت فريدة بجانبه في صمت، يتأملان الأفق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *