اجبرت على طلب الغفران
كان الوقت في شهر ديسمبر، وكان الهواء البارد يتسلل عبر أكمام الملابس.
وعندما وصلوا إلى قبر دانييلا، أشار راؤول إلى الأرض.
— اركعي.
أطاعت لوسيا.
كان شواهد القبر يحمل صورة لوالدتها وهي تبتسم، بشعرها المنسدل وعينين كبيرتين تشبهان عينيها تماماً.
— لا تعودي حتى آتي لأخذكِ — أمرها راؤول.
ثم رحل.
بقيت لوسيا وحدها بين القبور، والزهور الجافة، والصلبان المائلة.
جمعت كفيها معاً.
— أمي… سامحيني. لم أكن أريد أن ترحلي.
داعبت الرياح شعرها.
واشتد الألم في بطنها كأنه مخلب يمزقها.
مرت الساعات.
ولم يسأل عنها أحد.
عندما لم تعد ساقاها تقويان على حملها، قررت لوسيا العودة إلى المنزل. ليس بدافع العصيان، بل لأنها ظنت أنه ربما، إذا تصرفت بشكل جيد، سيتوقف والدها عن رؤيتها كأنها مصيبة حلت به.
كنست الفناء.
غسلت الأطباق.
نشرت الغسيل.
وبالعملات المعدنية التي ادخرتها لشهور، ذهبت إلى متجر البقالة عند زاوية الشارع واشترت رقائق التورتيلا، والطماطم، وقطعة صغيرة من الدجاج لتعد له العشاء.
وعند خروجها، رأت مخبزاً للحلويات.
كانت هناك كعكات كبيرة ولامعة في واجهة العرض، مزينة بالفراولة والكريمة.
وقفت لوسيا تتأملها.
لم تحظَ بأي منها طوال حياتها.
ولا حتى بشريحة واحدة.
دخلت بخوف وطلبت أرخص كعكة لديهم. كانت صغيرة وبيضاء، تعلوها حبة فراولة واحدة وشمعة وردية.
حملتها إلى المنزل وكأنها تحمل كنزاً ثميناً.
وضعتها على الطاولة.
أشعلت الشمعة.
أغمضت عينيها.
كانت أمنيتها الأولى أن يتوقف والدها عن المعاناة.
والثانية، ألا تكرهها والدتها.
أما الثالثة، ورغم معرفتها بأنها تطلب الكثير، كانت أن يزول الألم.
نفخت في الشمعة فأطفأتها.
تذوقت ملعقة صغيرة من الكريمة.
كانت حلوة المذاق لدرجة أن عينيها امتلأتا بالدموع.
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب بعنف.
دخل راؤول بنظرات مظلمة.
رأى الكعكة.
رأى الشمعة المطفأة.
ورأى لوسيا والملعقة في يدها.
— هل تجرأتِ على العودة؟ — سأل بهدوء يثير الرعب — والدتكِ تحت التراب وأنتِ هنا تحتفلين؟
— أبي، كنت أريد فقط أن…
لم تكمل جملتها.
أمسك راؤول بالكعكة وتحطمت على الأرض.
تناثرت الكريمة على بلاط الأرضية.
وتدحرجت حبة الفراولة حتى استقرت بجانب حذاء لوسيا.
لم تبكِ في البداية.