الدفتر الأسود

 

أما الحاجة ربيعة، التي اعتادت إصدار الأوامر من مكانها، فوجدت نفسها واقفة أمام الموقد تحاول إعداد الطعام بيدين مرتبكتين.

 

قالت لها إحدى العمات:

 

— أسرعي يا ربيعة، لا تجعلي الكبار ينتظرون كما جعلتِ كنتك تنتظر.

 

انتشرت ضحكات خافتة في المكان.

 

وبعد ساعات طويلة، وصل الطعام أخيرًا.

 

لكنه لم يكن كما أرادت.

 

الأرز كان متعجنًا، واللحم جافًا، والمرق بطعم سيئ.

 

لم يقل أحد شيئًا، لكن الجميع لاحظ.

 

وعندما طلبوا من رنا الجلوس وتناول الطعام معهم، ابتسمت وقالت:

 

— لا أستطيع. الحاجة ربيعة علمتني أن الكبار يأكلون أولًا. بعد أن أنظف المكان، إن بقي شيء سآكل.

 

هنا بدأ الهمس بين الحضور:

 

— هذا ليس تقليدًا… هذا ظلم.

 

— تعمل وتتعب، ثم تُعامل بهذه الطريقة؟

 

وضع العم أحمد شوكته وقال:

 

— يا ربيعة، زوجك الراحل لم يكن سيرضى أن تُعامل امرأة في بيته كخادمة.

 

لم ترد الحاجة ربيعة.

 

لكن عينيها امتلأتا بالدموع.

 

وفي تلك اللحظة…

 

ظهرت الحقيقة التي ستغير كل شيء.

 

فبينما كانت رنا تجمع الأكواب، وجدت الحفيدة الصغرى مريم الدفتر الأسود فوق أحد المقاعد.

 

فتحته بدافع الفضول، ثم قالت:

 

— لحظة… هناك أسماء مكتوبة هنا!

 

ارتفعت جميع الأنظار نحوها.

 

وفجأة وقفت الحاجة ربيعة مذعورة وصرخت:

 

— لا تلمسي ذلك!

 

لكن مريم كانت قد بدأت القراءة…

الجزء الثالث

 

لم تكن مريم تعرف أنها فتحت بابًا ظلت الحاجة ربيعة تغلقه لسنوات طويلة.

 

قلبت صفحات الدفتر الأسود، وفي البداية ظنت أنها ستجد المزيد من القواعد والتعليمات.

 

لكنها توقفت فجأة.

 

لم تكن الصفحات التالية تحتوي على أوامر فقط…

 

بل كانت تحمل أسماء وتواريخ وعبارات مكتوبة بمرارة.

 

قرأت مريم بصوت مسموع:

 

— “سعاد… بكت يوم 12 مايو. تحملت يومين بلا طعام على المائدة.”

 

ساد الصمت في الصالة.

 

قلبت الصفحة التالية وقالت:

 

— “فاطمة… استسلمت بعد ستة أشهر.”

 

ثم قرأت:

 

— “ليلى طلبت الرحيل، لكن والد طارق قال إن الكنة الأصيلة لا تنسحب.”

 

تجمد الجميع.

 

لم يعد الدفتر مجرد مجموعة قواعد قاسية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *