سلفتي الحرباية
في أول ليلة لنا في بيتنا الجديد، تذكرت عهداً قطعته على نفسي. جلست مع مازن نرتشف الشاي في هدوء الليل، وقلت له بنبرة دافئة وصادقة:
«مازن.. إحنا النهاردة بنبدأ حياة جديدة. أنا بوعدك إني أكون ليك الزوجة والسند، بس في شرط أساسي عشان مركبنا تمشي في أمان.»
نظر إليّ باهتمام: «شرط إيه يا روحي؟»
قلت له بعينين ملؤهما الحزم اللطيف: «أسرار بيتنا، خناقاتنا، زعلنا، وحتى تفاصيلنا الصغيرة.. تفضل جوة باب الشقة دي. مفيش كلمة تخرج لأي حد، لا لأهلي ولا لأهلك ولا لرانيا. المشاكل بنحلها سوا، والناس متعرفش عننا غير السعادة والهدوء.. اتفقنا؟»
شعر مازن برجاحة عقلي وبأن هذا الشرط يحميه هو أيضاً، فقبّل يدي وقال: «وعد يا ليلى.. مفيش مخلوق هيعرف عننا حاجة بعد النهاردة.»
الاختبار الصعب.. والضربة القاضية لسلفتي
بعد أسبوعين من الزواج، دعتنا والدة مازن لغداء عائلي كبير. كانت رانيا تجلس مترقبة، بانتظار أي فرصة لتثبت لجميع أفراد العائلة أن ليلى “صغيرة ولا تجيد إدارة بيتها”.
أثناء تناول الطعام، قالت رانيا بصوت مسموع أمام الجميع:
«إيه يا ليلى.. سمعت إنك غيرتي ألوان المطبخ اللي أنا ومازن اخترناها؟ مع إن الأحمر كان شيك جداً، بس يظهر إنك مبتحبيش التجديد والذوق العصري!»
ساد الصمت على الطاولة، وتوجهت الأنظار إليّ. كانت رانيا تبتسم بخبث، تظن أنها أحرجتني أمام حماتي وحماي.
ابتسمت بهدوء، وأخذت رشفة من الماء، ثم التفتت إلى مازن ونظرت إليه بحب وقلت:
«بالعكس يا رانيا، الأحمر جميل.. بس مازن فاجأني يومها وقالي إنه بعد ما ركب المطبخ حس إن الرمادي هيبقى أهدى لعينيا وأشيك لشقتنا.. وبصراحة مازن ذوقه في الألوان راقي جداً وأنا بموت في ذوقه، فوافقت على طول عشان خاطره.»
أصيبت رانيا بالذهول؛ لم تكن تتوقع أنني سأنسب قرار التغيير لمازن نفسه، وبطريقة تمدح ذوقه وتظهره كرجل يراعي مشاعر زوجته.
التفت مازن إليّ بابتسامة فخر وقال موجهاً حديثه لرانيا والعائلة:
«فعلاً يا رانيا.. الرمادي طلع تحفة، وليلى نسقت الشقة بطريقة خلت المطبخ يبان كأنه لوحة فنية.. أنا مكنتش هعرف أعمل ده من غير ذوقها.»
أدركت رانيا في تلك اللحظة أن عهد السيطرة قد انتهى إلى الأبد، وأن ذكائي وهدوئي كانا أقوى من كل محاولات الوقيعة التي نسجتها. تراجعت إلى الخلف ولم تنطق بكلمة أخرى طوال الجلسة.