الشيخ جاسم – محمد نور

 

تطلع جاسم إلى الرفوف الممتلئة بالأطعمة الفاخرة والمستوردة، والحلويات، وزجاجات الزيت، والخيرات التي ربما ستنتهي صلاحيتها دون أن تمسها يد. وفي وسط هذا النعيم، تقف طفلة تعتذر لأنها أكلت القمامة!

 

— متى كانت آخر مرة أكلتِ فيها وجبة ساخنة؟

 

ترددت سارة قبل أن تجيب:

— يوم الجمعة.. في المدرسة.

 

وكان اليوم هو الاثنين!

 

شعر جاسم بغصة ثقيلة تعصر صدره:

— وأمُّكِ؟

 

— تقول إنها تأكل هنا.

 

— وهل تصدقينها؟

 

خفضت الطفلة رأسها وقال بصوت خافت:

— لا.. هي تعطينني عشاءها وتقول إنها شبعت، لكنني أسمع صوت معدتها يخفق ليلاً من الجوع. وهي تسعل كثيراً أيضاً.. أحياناً أرى دماً على مناديلها، لكنها تخفيه عني.

 

اتسعت عينا جاسم، وعادت به الذاكرة فجأة إلى مطبخ صغير جداً في أحد أحياء جدة القديمة والفقيرة.. تذكر الخبز اليابس، والقهوة الخفيفة، ووالدته وهي تؤكد له ولإخوتها أنها ليست جائعة وهي تقسم اللقيمات القليلة بينهم.

 

لقد بنى جاسم كل إمبراطوريته ونفوذه لكي لا يذوق طعم ذلك الهوان مجدداً.. ولكن، تحت سقف قصره وفي قلب نعيمه، كانت المأساة تعيد نفسها!

 

ترددت أصوات خطوات في الممر.

 

سأل «سعود» من عند المدخل:

— هل كل شيء بخير يا عمي؟

 

كان سعود ابن أخيه، ومدير أعماله، الرجل الذي يراه الجميع الوارث المستقبلي لإمبراطورية البرّاك.

 

خرج جاسم من خزانة المؤن وأغلق الباب خلفه بإحكام:

— كل شيء بخير.

 

نظر سعود بنظرات مريبة نحو الباب:

— لقد سمعتُ صوت كلام.

 

— أنا متعب.. مر الحراس بأن يرتاحوا.

 

تردد الشاب:

— أستطيع أن أفتش البيت بنفسي.

 

وقف جاسم أمامه حائلاً وقال بنبرة حاسمة:

— قلت لك.. لا يوجد شيء.

 

فهم سعود التحذير وانسحب على الفور.

 

عندما أعاد جاسم فتح الخزانة، كانت سارة ما زالت قابعة في مكانها متمسكة بالعلبة.

 

قال لها:

— لن أعاقبك.

 

— وأمي؟

 

— ولا أمك.

 

لم تصدقه الطفلة وظلت تنظر إليه بخوف.

 

نادى جاسم طباخه الخاص «أبو فهد»، وأمره بإعداد حساء دافئ، ودجاج، وأرز طازج، وحليب ساخن.

 

جلست سارة على طرف الطاولة، وقبل أن تتذوق الطعام سألت بوجل:

— هل هذا مكلف جداً يا عمي؟

 

أدار أبو فهد وجهه بعيداً ليخفي دمعة كادت تسقط من عينيه، بينما لم ينطق جاسم بكلمة.. اكتفى بمراقبة الطفلة وهي تحاول الأكل ببطء شديد حتى لا تبدو جائعة، رغم أن يديها كانتا ترتجفان وعينيها أُغلقتا تلذذاً مع أول جرعة حساء دافئة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *