الشيخ جاسم – محمد نور
عند الشروق، أخذها جاسم بنفسه إلى منزلها.
كان الشقة في حي ناءٍ ومتهالك في أطراف المدينة، داخل بيت يحتوي على رطوبة، وجدران متشققة، وأسلاك كهربائية مكشوفة.
فتحت «أمينة» الباب قبل أن تطرق سارة.
كان وجهها شاحباً كالأموات، وعيناها منتفختين من كثرة البكاء.
وما إن رأت جاسم يقف بجوار ابنتها حتى كادت تقع أرضاً من الصدمة والخوف:
— يا شيخ جاسم.. أرجوك! أي خطأ ارتكبتْه فهو ذنبي أنا!
ركضت سارة لتعتنق أمها:
— سامحيني يا أمي.. كنت جائعة فقط.
ضمت أمينة ابنتها إلى صدرها بقوة وهي ترتجف:
— لا تعاقبها يا شيخ.. سأدفع ثمن كل ما أخذتْه، خصمه من راتبي، لكن أرجوك لا تطردني من العمل.
دخل جاسم البيت دون أن ينتظر إذناً.
كان الثلاجة فارغة تماماً إلا من رغيفين يابسين، ونصف جرة ماء، وعلبة دواء فارغة.
وعلى الطاولة، كانت هناك بضع قسائم لرواتب سابقة..
التقط جاسم إحداها.
كان الراتب المسجل فيها يقل عن نصف المبلغ الذي كان يصرفه بنفسه شهرياً لأمينة!
وبجوار القسائم، وجد خطابات تؤكد رفض التأمين الصحي ورفض المساعدة الدراسية للطفلة سارة..
وكانت جميع تلك الخطابات تحمل توقيعاً واحداً: توقيع سعود!
رفع جاسم رأسه ببطء شديد، وعيناه تتأججان غضباً.
في تلك اللحظة، سعلت أمينة بشدة، وعندما أزاحت يدها عن فمها.. كانت أصابعها ملطخة بالدم!
========================================
الجزء الثاني والأخير
اتصل الشيخ جاسم بطبيبه الخاص قبل أن تسمح له «أمينة» بنطق كلمة واحدة أخرى.
حاولت الاعتراض بصوت مجهد:
— لا أستطيع تحمُّل تكاليف مستشفى خاص يا شيخنا..
أجابها جاسم وهو يلوّح بقسائم الرواتب:
— لقد دفعتِ الثمن بالفعل.. هناك من كان يقتطع رسوم تأمينك الصحي ويستولي عليها لحسابه طوال أربع سنوات.
احتقن وجه أمينة بالذهول.
وصلت سيارة الإسعاف بعد عشرين دقيقة، وصعدت «سارة» برفقة والدتها وهي متمسكة بيدها، بينما تبعهم جاسم بسيارته الخاصّة.
أكدت الفحوصات الطبية إصابة أمينة بانتكسة رئوية حادة، تفاقمت بسبب سوء التغذية، والرطوبة، والإرهاق الشديد، وكان قرار الأطباء جازماً: إنها بحاجة إلى جراحة عاجلة، ولو تأخرت بضعة أسابيع أخرى لربما فارقت الحياة.