الشيخ جاسم – محمد نور

 

ابتسمت أمينة:

— يبدو ذلك جلياً.

 

كانت سارة تزور القصر بعد المدرسة، تحل واجباتها على طاولة المطبخ، وتمازح الطاهي «أبا فهد»، وتجبر الحراس على مساعدتها في حل المسائل الحسابية.

 

وفي إحدى الأيام، دخلت مكتب جاسم وبيدها رسمة صغيرة:

رسمت بيتاً، وأمها أمينة، وأبا فهد، وإبراهيم، ونفسها، ورجلاً طويلاً يرتدي بشتًا أسود..

وكتبت في الأعلى:

«عائلتي.. الذين بقوا معي عندما كان كل شيء يخيفني».

 

سألها جاسم:

— هل هذا أنا؟

 

— نعم.. لكنني رسمتك أقل غضباً!

 

— قرار صائب.

 

— أمي تقول إن العائلة ليست بالدم فقط.. بل العائلة هي من يبقى إلى جوارك.

 

تفكر جاسم في مصير سعود وقال:

— أمك على حق يا سارة.

 

ضمت الطفلة الرسمة إلى صدرها وسألته ببراءة:

— هل ستتبقى معنا حتى لو لم نعد بحاجة إلى المساعدة؟

 

شلت تلك الأبوية مشاعره؛ فلم تكن تسأل عن المال ولا عن الحماية، بل كانت تريد أن تعرف إن كان وجودها مهماً عنده حين تزول الغمة.

 

أجابها بجفل حنون:

— نعم.. سأبقى طالما أردتم وجودي.

 

بعد سنوات طويلة..

 

درست سارة الإدارة العامة، وأسست برنامجاً ريادياً للرعاية الصحية والتعليمية لأبناء الفئات الكادحة.

 

وعندما أراد جاسم تمويل المشروع بالكامل، أصرّت سارة على إخضاع أمواله لمراجعة وتدقيق مالي لمدة 4 أشهر قبل قبول أي مساهمة منه!

 

احتج جاسم مازحاً:

— هذا تدقيق مبالغ فيه!

 

ابتسمت أمينة وقالت:

— أنت من أردت لها أن تتعلم كيف تقف في وجه الأقوياء وتطالب بالشفافية.

 

تنهد جاسم:

— لم أكن أظن أنها ستبدأ بي!

 

قالت أمينة:

— كان يتوجب عليها البدء بك تحديداً.

 

في عيد ميلاد جاسم السبعين، امتلأت ساحات القصر بالعمال، والطلاب، والأطباء، وعائلات بسيطة لم يكن ليُسمح لها بدخول هذا المكان في سنواته القاتمة السابقة.

 

رفعت سارة كأس العصير لتلقي كلمة أمام الحضور:

— عندما كنت في الثامنة من عمري، كنت أظن أن الجوع عار.. وكنت أعتقد أن الأشخاص المهمين هم أولئك القادرون على النظر إلى طفل فقير دون أن يروه.

 

خفض جاسم رأسه تأثراً.

 

تابع صوت سارة بثبات وترقرق:

— في إحدى الليالي، فتح أعتى رجل عرفته المنطقة باب الخزانة ووجدني آكل البقايا.. كان بإمكانه أن يعاقب أمي، وكان بإمكانه أن يطردني.. لكنه اختار بدلاً من ذلك أن ينظر بصدق إلى ما كان يحدث داخل بيته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *