الشيخ جاسم – محمد نور
سمعت سارة جزءاً من حديث الأطباء وهي واقفة في الممر، فاقتربت من جاسم وسألته بدموع حائرة:
— هل مرضت أمي لأنني أخذت الطعام؟
جثا جاسم على ركبتيه أمامها.
تطلع حراسه الشخصيون إليه بذهول؛ فلم يعتد أحد قط على رؤية أعتى رجال المنطقة وأشدهم بأسًا وهو يجثو على ركبتيه أمام طفلة صغيرة.
قال لها بصوت دافئ:
— أنتِ لم تسرقي شيئاً.
— لكنني دخلت القصر دون إذن..
— هذا خطأ، نعم.. لكن الجوع ليس ج*ريمة يا بنيتي.
انفجرت الطفلة بالبكاء:
— أين سأنام وأمي هنا في المستشفى؟
أجابها جاسم دون تردد:
— في بيتي.
— في خزانة المؤن؟
شق السؤال صدره وجرح كبرياءه، فقال:
— لا.. بل في غرفة خاصة بكِ، تظل لكِ طالما احتجتِ إليها.
في تلك اللحظة، نامت سارة في غرفة يفوق حجمها شقتها بأكملها. وقبل أن تغط في النوم، وضعت حذاءها الصغير بجوار الباب وسألت بوجل: «في أي ساعة يجب أن أستيقظ لأبدأ بتنظيف القصر؟»
ضغط جاسم على فكّه مغالباً غضبه، وقال:
— لن تنظفي شيئاً.
— أستطيع أن أكنس المجلس..
— لا.
— وأعرف كيف أطوي المناشف أيضاً..
قال لها جاسم بنبرة حازمة ولكن حنونة:
— سارة.. اسمعيني جيداً. الأطفال لا يعملون لكي يكسبوا إفطارهم. الأطفال يأكلون، ويدرسون، ويلعبون، ويفعلون بعض الفوضى المقبولة.
قوست الطفلة حاجبيها:
— وما هي الفوضى المقبولة؟
— أن ترسمي على الورق.. لا على الجدران.
فكّرت قليلاً ثم قالت:
— هذا أمر أستطيع القيام به!
في صباح اليوم التالي، استدعى جاسم محاميه الخاص، ومحاسبة خارجية، و«إبراهيم» أكثر رجاله ثقة، دون أن يخبر ابن أخيه «سعود» بشيء.
أمر جاسم بفتح تحقيق شامل ومراجعة كل مدفوعات الرواتب، وبولصات التأمين، والمستحقات المخصصة للعاملين في مطاعمه، وشركاته، ومستودعاته.
وجاءت النتائج الأولى خلال 48 ساعة فقط:
كان سعود قد أنشأ 6 شركات وهمية، يستولي من خلالها على مخصصات التأمين الصحي، ويضخم فواتير السكن، ويختلس الدعم الدراسي لأبناء العمال. وفي التقارير التي كان يرفعها لعمّه جاسم، كانت تظهر رواتب كاملة ومكافآت سخية، بينما في الواقع، لم يكن العاملون يستلمون سوى الفتات!
على مدار 5 سنوات، اختلس سعود ما يعادل ملايين الريالات.