الشيخ جاسم – محمد نور

 

ردت أمينة برأسها نادمة:

— في قصرك يا شيخ، لم يكن أحد يجرؤ على الحديث معك، الجميع يطرقون رؤوسهم.. وسعود كان يعلم أنك لن تسأل.

 

صمت جاسم ألماً.

 

— لكنني كنت أصرف التأمين والمستحقات بنفسي..

 

أجابته بصدق مؤلم:

— كان ذلك على الأوراق فقط.. لكنك لم تسأل يوماً إن كانت تصل إلينا حقاً.

 

جرحته كلماتها أكثر من أي إهانة؛ فقد كان يظن نفسه سيداً عادلاً لأنه لا يصرخ في وجوه العمال ويمنحهم رواتب أعلى من غيره، ولم يدرك أن القصر قد يكون قاسياً جداً دون أن يرتفع فيه صوت.

 

اعتزل جاسم غروره وقال:

— بنيت مكاناً جعل طلب المساعدة فيه يبدو خطراً..

 

— بل بنيت مكاناً كان التخفي فيه هو السبيل الوحيد للحفاظ على لقمة العيش.

 

عندما تعافت أمينة، رفضت العودة للعمل كخادمة منزلية:

— لا أريد صدقة يا شيخ، ولا أريد أن تنشأ سارة وهي تظن أننا ندين بحياتنا لأحد.

 

عرض عليها جاسم منصباً جديداً؛ أصبحت أمينة مديرة المتابعة والرقابة لجميع أعماله المشروعة، ولها السلطة الكاملة لمراجعة الرواتب، وساعات العمل، وظروف السكن، مع وجود مكتب محاماة مستقل يحمي حقوقها ويخولها الإبلاغ عن أي تجاوز، حتى لو كان من جاسم نفسه!

 

سألته أمينة:

— ماذا لو اختلفنا في الرأي؟

 

— سيكون واجبكِ حينها أن تصارحيني.

 

— لن يعجبك ذلك يا شيخ.

 

— بالتأكيد لن يعجبني!

 

— ولن تطردني؟

 

نظر جاسم إلى سارة التي كانت تلعب في الجوار وقال:

— إن طردتكِ، ستتسلل هذه الصغار إلى خزانة المؤن مجدداً وستحاسبني!

 

ولأول مرة، ضحكت أمينة ضحكة صافية دون أن تسعل.

 

خلال الأشهر التالية، تغير القصر وتغيرت الإمبراطورية بكاملها.

 

حصل العمال على عقود رسمية، وتأمين صحي حقيقي، وأيام راحة مستحقة. وأُنشئ نظام بلاغات لا يمكن لجاسم تحويره. أما الطعام الزائد الفاخر فلم يعد يُرمى قط، بل أصبح يُوزع طازجاً على الجمعيات الخيرية والمحتاجين بإشراف أمينة.

 

التحقت سارة بمدارس متميزة، ورغم ذلك اختارت السكن مع أمها في شقة بسيطة اختارتاها بنفسيهما. وحين أراد جاسم أن يشتري لهما قصراً كبيراً، رفضت أمينة وقالت: «المساعدة لا تعني أن تقرر عنا كيف نعيش».

 

تنفس جاسم عميقاً وقال:

— ما زلت أتعلم..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *