النقيب مايا وقاعة المحكمة- محمد نور
استغرقت المراجعة الكاملة للحضانة شهوراً. بحلول ذلك الوقت، لم يعد والداي يبدوان غير قابلين للمس. كانت أموالهما تشتري بدلات فاخرة ومحامين واثقين، لكنها لم تستطع مسح سجلات المستشفى، أو الرسائل، أو إفادات الشهود، أو وثائق الصندوق الائتماني التي كشفت محاولات لنقل الأموال تحت حجة “إعادة هيكلة مالية للعائلة”.
ذلك الاكتشاف غير نبرة كل شيء.
راجعت القاضية السجلات المالية في مكتبها أولاً، ثم في المحكمة. أصر والدي على أن كل شيء كان لمصلحة زياد، وقالت أمي إنها لم تفهم الأوراق، وحاول محاموهم تأطير الأمر كـ “تخطيط مالي”. لكن مسؤول الصندوق شهد بوضوح:طلبات معينة أثارت القلق، وتلك المخاوف وثقت قبل أن أقدم أنا على طلب الحضانة.
جلس زياد بجانبي خلال الجلسة الأخيرة، أطول قامة بطريقة ما مما كان عليه في اليوم الأول. كان لا يزال متوتراً، لكنه لم يعد يبدو مرئياً كطيف.
أصدرت القاضية حكمها بصوت هادئ:
> تم منح الحضانة الدائمة لي، وسيظل صندوق زياد محميًا تحت إشراف مستقل. أما والداي، فسيستمران في الاتصال الخاضع للإشراف فقط حتى يكملا التقييمات النفسية والأبوية، والمراجعة المالية، والاستشارات المعتمدة من المحكمة. لم تقطع المحكمة علاقتهما بزياد، بل توقفت ببساطة عن السماح لهما بامتلاكها.
>
عندما انتهى الحكم، تنفس زياد الصعداء وكأنه حبس أنفاسه لسنوات. بكت أمي مجدداً، وتطلع والدي إلى الأمام بجمود. لم أشعر بالنصر، بل شعرتُ بالتعب، وبالامتنان، وبثقل ما تم إنقاذه وما لا يمكن إصلاحه أبداً.
خارج المحكمة، نظر زياد إليّ وسأل: “ماذا يحدث الآن؟”
نظرتُ إلى السماء الرمادية، وإلى الدرج، وإلى المدينة التي تتحرك حولنا وكأن شيئاً استثنائياً لم يحدث: **”الآن.. نذهب إلى البيت”.**
نظر إليّ لفترة طويلة: “بيتكِ؟”
هززتُ رأسي: **”بيتنا”.**
### 🧭 النهاية: البوصلة الحقيقية
بعد أشهر، جلست بوصلة زياد الجديدة على مكتبه بجانب القديمة المكسورة؛ فقد رفض التخلص من المكسورة، وقال إنها تذكره بأنه حتى عندما يتوقف شيء ما عن الإشارة إلى الاتجاه الصحيح، فإنه يظل دليلاً على أنه كان يحاول العثور على طريق.
انضم إلى نادي المبتكرين، وتعلم كيف يطبخ، وتوقف عن الاعتذار في كل مرة يضحك فيها بصوت عالٍ. أحياناً كان يتنبه من أحلام لا يشرحها، وأحياناً كان يتفقد هاتفه كثيراً حذراً من غضب لم يعد يأتي، لكنه كان يتعلم.. وكذلك كنتُ أنا.