النقيب مايا وقاعة المحكمة- محمد نور

قال: “احتفظتُ بها”.

“كنت أعلم أنك ستفعل”.

“إنها لا تشير إلى الشمال بعد الآن”.

نظرتُ إلى الزجاج المكسور والإبرة المرتجفة: “إذن سنشتري لك واحدة جديدة”.

حدق فيها: “ماذا لو لم أكن اعرف كيف أكون طبيعياً؟”

السؤال كسر شيئاً ما بدمي. كنت قد قضيتُ سنوات في تعلم كيفية البقاء تحت الضغط والخوف والبعد والصمت، لكن لا شيء في تدريبي كان قد أعدني للصوت الصغير لفتى تم تعليمه أن السلام شيء يتوجب عليه كسبه.

قلتُ له: “إذن لن نبدأ بكوننا طبيعيين. سنبدأ بوجبة الإفطار، ثم النوم، ثم المدرسة، ثم يوم واحد لا يجعلك فيه أحد تشعر بالذنب لأنك تحتاج إلى ما ينبغي أن يحصل عليه كل طفل”.

أسند رأسه على النافذة: “هل ستغادرين مجدداً؟”

أجبتُ بعناية، لأنني لن أبني حياته الجديدة على الكذب: “سيكون لدي واجبات.. لكنني نظمتُ حياتي حولك الآن. وعندما يقتضي الأمر أن أكون بعيدة، ستعرف أين أنا، ومن معي، ومتى سأتصل، ومن تتصل به إذا حدث أي شيء خاطئ. لا تخمين، لا انتظار بمفردك، ولا تظاهر بأنك بخير عندما لا تكون كذلك”.

هز رأسه. ثم، وللمرة الأولى طوال اليوم، سمح لعينيه بالإغلاق.

### 🏡 الحياة الجديدة والحكم النهائي

لم تكن الأسابيع التي تلت ذلك بسيطة. استأجر والداي محامين جُدد، وقدموا طلبات، وأدلو ببيانات عبر أناس يعرفون كيف يجعلون الإهمال يبدو وكأنه سوء فهم. قالوا إنني كنت درامية، وقالوا إن زياد كان مشوشاً، وقالوا إن الحياة العسكرية جعلتني قاسية.

لكن في كل مرة دفعوا فيها، كان هناك سجل يدحضهم. كل ادعاء قابلته مكالمة موثقة، كل اتهام قابله إقرار محلف، كل كذبة مصقولة قابلها الثقل الهادئ والدائم للإثبات.

انتقل زياد إلى منزلي الجديد بحقيبتين، وثلاث صناديق من الكتب، والبوصلة التي لم تعد تعمل. في الليلة الأولى، طلب الإذن لفتح الثلاجة. في الليلة الثانية، اعتذر عن استخدام الكثير من الماء الساخن. في الليلة الثالثة، وجدته نائماً على طاولة المطبخ فوق واجب الجبر لأنه كان خائفاً من السؤال عما إذا كان يُسمح له بالدراسة في غرفة المعيشة.

الشفاء لم يأتِ كنهاية فيلم، بل جاء ببطء.. جاء في قوائم البقالة، جاء في مستشار المدرسة الذي عرف متى يضغط ومتى ينتظر. جاء في تعلم زياد أن الباب المغلق لا يعني أن العقاب ينتظره خلفه. جاء في ضحكه مرة، ثم تطلعه بذهول من الصوت، وكأن الفرح سقط منه دون إذن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *