النقيب مايا وقاعة المحكمة- محمد نور
كنتُ قد قضيتُ معظم حياتي وأنا أعتقد أن الحماية تعني المسافة والانضباط والاستعداد، لكن زياد علمني أن الحماية يمكن أن تعني أيضاً ترك ضوء الممر مضاءً، أو معرفة نوع طعامه المفضل، أو الجلوس في اجتماعات أولياء الأمور ببدلة مدنية بدلاً من الزي العسكري، أو الإجابة على نفس السؤال عشر مرات لأن الثقة، إذا كُسرت، لا تعود لمجرد أن القاضي يوقع أمراً.
في أحد الأمسيات، بعد أشهر من الحكم النهائي، وجدني زياد في الشرفة الخلفية، وكان البوصلة القديمة في يده.
قال: “كنتُ أظن أنكِ رحلتِ لأنكِ لم تكوني تريدين أن تكوني جزءاً من العائلة”.
نظرتُ إليه: “أعلم”.
“الآن أظن أنكِ رحلتِ ربما لأنكِ كنتِ الوحيدة التي عرفتِ أن هناك شيئاً خاطئاً”.
ابتلعتُ ريقي: “رحلتُ لأنني كنتُ صغيرة.. ولأن البقاء هناك كان يكسرني. لكنني كان يجب أن أرى أبكر ما كان يحدث لك”.
جلس بجانبي: “لكنكِ عدتِ”.
بساطة الجملة كادت تهزني: “نعم.. لقد عدت”.
أسند كتفه إلى كتفي لثانية واحدة، ثم وقف حرجاً من حنانه الذهبي، وذهب إلى الداخل لينهي واجباته.
بقيتُ في الشرفة بينما كان المساء يستقر. العالم كان لا يزال يحتوي على ظلال، وعملي كان لا يزال موجوداً في أماكن لا أستطيع تسميتها، ووالداي كانا لا يزالان يرسلان رسائل عبر المحامين مكتوبة بلغة تبدو مؤدبة وتعمل كسكاكين ملفوفة بالحرير. لكن في داخل البيت، كان زياد يدندن بصوت خفيض بينما يحل مسائله على طاولة المطبخ، وكانت الثلاجة ممتلئة، وكان كل باب مفتوحاً من الداخل.
كان ذلك الجزء الذي لا يمكن لأي محضر محكمة التقاطه.
اليوم الذي دخلتُ فيه المحكمة بزيّي العسكري، رأى الناس ضابطة تسبب الفوضى في جلسة حضانة، ورأوا ابنة تتحدى والديها، ورأوا زياً ورتبة وامرأة بدت حادة للغاية بالنسبة لغرفة محكمة أسرة. لكن القاضية رأت الأدلة، وزياد وجد صوته، والداي تعلما أخيراً أن الثروة يمكن أن تشتري الصمت لفترة، لكنها لا يمكن أن تشتري الحقيقة إلى الأبد.
لم أنقذ أخي لأنني كنتُ بلا خوف.. أنقذته لأنني رفضتُ أن أدع الخوف يقرر مصيرنا بعد الآن.
وفي النهاية، أثمن شيء حملته إلى قاعة المحكمة لم يكن رتبتي، ولا سجلي، ولا الزي العسكري الذي حاولوا السخرية منه.
> **كان الدليل..**
> **وكان الحب..**
> **وكان وعداً كان ينبغي أن أقطعه قبل ذلك اليوم بكثير: زياد لن يضطر للبقاء بمفرده بعد اليوم.**