النقيب مايا وقاعة المحكمة- محمد نور
قالت الوصية الاجتماعية المعينة من المحكمة، السيدة **هدى**، وهي امرأة هادئة ذات نظارات فضية: “حضرة القاضية، قمت بثلاث زيارات لمنزل عائلة العمري خلال الأسابيع الستة الماضية. في الزيارة الأولى كان الوالدان حاضرين، لكن لم يُسمح لزياد بالتحدث معي بمفرده حتى أصررتُ على ذلك. في الزيارة الثانية، كان الخدم فقط في المنزل، وأُخبر زياد أن والديه في حدث خيري، لكن العمال أكدوا أنهما خارج الولاية. وفي الزيارة الثالثة، سألني زياد عما إذا كان سيعاقب إذا أجاب على أسئلتي بصدق”.
همست أمي: “لا!”.
تابعت السيدة هدى بصوت مهني وثابت: “أفاد زياد أن أخته، النقيب مايا، كانت مصدر دعمه العاطفي والمادي والتعليمي الرئيسي منذ سن التاسعة. وشرح تواصلهما المكتثف، ومساعدتها له في واجباته ورعايته الطارئة. كما قدم رسائل تُظهر أنه عندما كان يحتاج إلى رعاية طبية أو مواصلات أو مستلزمات أساسية، كان يتصل بأخته أولاً لأنه لم يكن يعتقد أن والديه يستجيبان في الوقت المناسب”.
انحنى المحامي بدر نحو والديّ وهمس بشيء عاجل. لم ينظر إليه والدي؛ كان يحدق في زياد الآن، ليس بحنان، بل بغضب لأن ابنه أصبح دليلاً ضده.
شبكت القاضية يديها: “سيد وسيدة العمري، هل صحيح أنكما تركتما زياد بمفرده لمدة ستة أيام في أكتوبر؟”
عدّل والدي أزرار أكمامه: “لم يكن بمفرده، كان العمال يترددون على المنزل”.
سألت القاضية: “هل كان هناك بالغ مسؤول عنه قانونياً مقيم معه ليلاً؟”
تردد والدي.
أجابت أمي بدلاً منه: “إنه في الرابعة عشرة، إنه ناضج جداً”.
قلتُ: “كان في الثالثة عشرة في ذلك الوقت”.
عادت عينا القاضية إلى والديّ: “هل كان هناك بالغ مسؤول عنه مقيم معه ليلاً؟”
لم يجب أي منهما. دونت القاضية ملاحظة.
ثم سألت: “هل صحيح أن زياد كسر ذراعه في فبراير ونقله الجار للمستشفى؟”
احمرّ وجه أمي: “كنت متعبة ذلك اليوم”.
قلتُ: “كنتِ لا تجيبين على الاتصالات، تجاهلتِ 9 مكالمات من زياد، ومكالمتين من الجار، ومكالمة من المستشفى”.
التفتت أمي نحوي والدموع في عينيها: “لقد كرهتنا دائماً، تركتِ العائلة واخترتِ الحرب، والان تعودين بهذه البدلة لتأخذي ابني!”.
لثانية واحدة، تحركت بداخلي الأفكار القديمة.. أفكار الطفولة التي جعلتني أرغب في شرح نفسي حتى تؤلمني حنجرتي، لأثبت أنني لست قاسية ولا عاقة. لكنني لم أعد تلك الفتاة بعد الآن. لقد عبرتُ صحاري ومحيطات وصمتاً، وتعلمتُ أن الحقيقة لا تحتاج إلى استجداء الإذن.