صفعه في المقهى – محمد نور
وقع الاسم على مسامعي أشد وأقسى من صفعة شيماء…
فجأة، اختفى المقهى من مخيلتي، وزالت صورة شيماء وطارق.
عدت بالزمن عشر سنوات إلى الوراء… إلى الفلوجة، إلى العراق، إلى صخب الموسيقى العسكرية وسط حشرجة المحركات.
كانت مدرعتنا ننتظر على طريق متهالك خارج المدينة عندما انفجر العالم من تحت أقدامنا. في لحظة كنا نتحرك ونراجع الاتجاهات، وفي اللحظة التالية تحول العالم إلى نار وحديد مائع.
انفجرت العبوة الناسفة المرتجلة أسفل المقعد القيادي الذي كنت أجلس فيه.
اخترقت الشظايا المعدنية أضلاعي ووجهي. ورغم صدمة الألم المحرق، كنت أصرخ في جنود مشاة البحرية كي يظلوا منبطحين. ثم جاء الانفجار الثاني، فدفعتني غريزتي لإلقاء بجسدي كاملاً فوق الثغرة لحمايتهم.
لم أفقد الوعي بالكامل، كل ما أذكره بعد ذلك هو أضواء النيون البيضاء الساطعة في غرفة العمليات، ورائحة المعقمات، والأقمشة المحترقة، والوقود، والدم.
عندما فتحت عينَي لأجد الضمادات الثقيلة تغطي الجانب الأيسر بالكامل من وجهي، كان هناك طبيب جراح يقف بجانبي ويقول: «لقد كنتِ محظوظة يا نقيب».
ضحكت بصوت خافت مجهد: «سيدي، عادة ما أبدو أجمل من هذا».
لم يبتسم الجراح، بل قال بجدية صارمة: «نجا الجنود القابعون خلفك لأن جسدك امتص معظم الشظايا».
حصلت على وسام الشجاعة وأنا أنزف على أسرّة المستشفى، عاجزة حتى عن فتح إحدى عينَي. صافحني اللواء وناداني بـ “البطلة”. كنت في الخامسة والعشرين من عمري، وساذجة بما يكفي لأظن أن نجاتي من أهوال الحرب تعني أن الأسوأ قد مضى.
ثم عدت إلى الوطن…
كانت ملكية عائلتنا تقع خلف بوابات حديدية وأسوار نباتية مشذبة في القصر العائلي. وصلت حاملاً حقيبة سفر قماشية ومستندة على عكاز.
وقفت أمي في الردهة الرخامية، ووقف والدي بجانبها. لم يتقدم أحدهما لمعانقتي. غطت أمي فمها بشهقة مكتومة، وحدق والدي في ندبتي ثم نظر بسرعة إلى الأرض.
ثم نزلت شيماء على السلالم بفستانها الكريمي الفاخر تسبقها رائحة عطرها الثمين، وكانت تطقطق بكعبها العالي على الرخام. توقفت في منتصف الدرج، اتسعت عيناها، ثم تراجعت بجسدها إلى الخلف باشمئزاز ظاهر: «يا إلهي!».
حاولت الابتسام: «يسعدني رؤيتكِ أيضاً».
نظرت شيماء إلى رئيس الخدم وقالت ببرود قاطع: «أبقها في بيت الضيوف الصغير طوال فترة حفل العشاء الخيري ليلة الغد».