صفعه في المقهى – محمد نور

ظننت أنني أخطأت في السماع: «ماذا؟».

أشارت إلى وجهي: «لا أريد من الضيوف أن يحدقوا في هذا الشوه».

لم يقل والدي شيئاً، ولم تنطق أمي بحرف. كان ذلك الصمت القاتل أشد إيلاماً وتملقاً للروح من شظايا القنابل.

في الصباح التالي، أجبرت نفسي على النزول لتناول الفطور. كانت شيماء تجلس على رأس الطاولة تتصفح هاتفها. عندما سحبت كرسياً لأجلس، ضربت بفنجان القهوة على طبقها بقسوة: «أنتِ ترعبين الناس وتسؤين إلى سمعة اسم العائلة!».

حدقت فيها: «لقد وصلت بالأمس فقط».

عرضت عليّ أن تتكفل بمصاريف جراحة تجميلية، لكن بشرط واحد: أن أظل مختفية ومبتعدة تماماً حتى يصبح وجهي مقبولاً اجتماعياً، وألا أتحدث أبداً عن خدمتي العسكرية أو الانفجار أمام أي شخص من وسطها الاجتماعي.

قالت: «أنتِ لا تفهمين عالمنا بعد الآن».

نظرت نحو والديّ؛ كان أبي يستمر في تقطيع بيضه ببرود، وكانت أمي تعيد ترتيب الزهور في الفازة.

حينها فهمت كل شيء… صمتهما كان يكفي ليعطيني الجواب.

صعدت إلى الأعلى، وضعت ثلاث قطع من الملابس، وأوسمتي العسكرية، وصورة واحدة لكتيبتي داخل حقيبتي القماشية القديمة… ومضيت. لم يركض أحد خلفي.

كانت الحياة المدنية دون أموال العائلة ميدان معركة قبيحاً من نوع آخر.

عملت في ورديات الليل في أحد المستودعات، أجرّ الصناديق الخشبية الثقيلة فوق الأرضيات الإسمنتية حتى تقشّرت يداي وغطتها الندوب. استأجرت شقة صغيرة تفوح منها رائحة العفن والطلاء الرخيص، وكانت معظم وجباتي مجرد أرز وعلب بقوليات لدرجة أن “أمل” كانت تمازحني لاحقاً بأنني نشأت على وجبات البوريتو.

كان أصحاب الشركات يظهرون حماساً كبيراً لسيرتي الذاتية… حتى يقع بصرهم على ندبة وجهي في المقابلة. فجأة، تصبح الوظيفة “قد حُجزت لشخص آخر” أو يختلقون الأعذار: «أنتِ مؤهلة أكثر من اللازم».

اختلق زملائي في العمل قصصاً عني: حادث سير؟ عنف أسري؟ هجوم عصابات؟ توقفت عن تصحيح المفاهيم لأي شخص؛ فقد قتلت ما يكفي من عمري وأنا أشرح نفسي لأناس مصممين على إساءة فهمي.

لكن الانضباط العسكري ظل يجري في دمي؛ أستيقظ يومياً في الخامسة والنصف صباحاً دون منبه، أرتّب فراشي بزوايا حادة، ألمّع حذائي العسكري، وأدوّن كل قرش أنفقه في دفتر صغير.

خلال ستة أشهر، أصبحت مشرفة على الفترة الليلية في المستودع، ولاحقاً ساعدتني خبرتي العسكرية في إدارة الإمدادات للحصول على وظيفة ثابته كمنسقة سلاسل إمداد. بنيت لنفسي ما لم تمنحني إياه عائلتي قط: السكينة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *