وقعت اوراق طلاقي – محمد نور

وعندما خرجنا من المبنى، أمسك بيدي، وكانت من المرات القليلة التي يفعل فيها ذلك أمام الناس.

هبطت نظراته نحو بطني التي بدأت تدور قليلاً:

— لنذهب ولنتناول الغداء معاً.

قبل أشهر، كانت دعوة كهذه ستسعدني لأيام.

كان فارس رجلاً بارداً دائماً، وخلال سنوات زواجنا نادراً ما بادر بضمي، أو دعوتي للعشاء، أو فتح باب السيارة لي.

لكنني الآن سحبتُ يدي بلطف وعدتُ خطوة إلى الخلف:

— سيد فارس، لم يعد هذا لائقاً.

قطم حاجبيه:

— مريم، إنهاء زواجنا لا يعني أن نتحول إلى غريبين. يمكننا أن نبقى أصدقاء.

لم أرد.

قبل ثلاث سنوات، قال لي الرجل نفسه إنني لا أستحق حتى الوقوف إلى جانبه.

وحين رآني صامتة، افترض أنني وافقت.

سار نحو السيارة وفتح لي باب الركاب، وهو أمر لم يفعله قط وأنا زوجته.

— زادت حدة الغثيان لدي —أوضحتُ له— ورائحة المطاعم ترهقني.

تجمد فارس في مكانه، ولثوانٍ معدودة بدا وكأنه يتذكر، وللمرة الأولى، أنني أحمل طفلته أحشاءي.

— كنتُ غير مراعٍ.

— لا داعي للقلق يا سيد فارس، سأطلب سيارة أجرة.

اشتدت عضلات فكه:

— اركبي، سأوصلكِ بنفسي.

هذه المرة لم أعترض.

خلال الطريق، كان يرقبني بطرف عينه عدة مرات، يبدو راغباً في سؤالي عن شيء ما، لكنه لا يجد الكلمات.

قررتُ أن أسهل عليه الأمر:

— لن أحتفظ بالجنين.

قبضت يداه على عجلة القيادة بقوة.

تابعتُ بصوت هادئ:

— لا تقلق، لن أسمح لهذا الحمل بأن يعكر صفو حياتك الجديدة.

استحال الجو داخل السيارة إلى جليد.

التفتَ إليّ فارس بغضب عارم لم أره فيه قط:

— هل فكرة إنجاب طفل مني أصبحت غير مطاقاة لديكِ إلى هذا الحد؟

نظرتُ إليه بدهشة.

كان فارس معروفاً بقدرته الفائقة على ضبط النفس؛ ففي عالم الأعمال كان بمقدوره تدمير شركة كاملة دون أن يرفع صوته، ولم يره أحد من قبل يفقد رزانته.

حتى تلك اللحظة.

خفضتُ بصري وأمسكتُ بطرف فستاني:

— وماذا سيحدث لو احتفظتُ به؟

صمت تماماً.

— عندما يولد… هل سيعيش كابن غير شرعي لك؟

تغيرت ملامح فارس بالكامل.

فالجميع يعرف قصة عائلته؛ كيف أحضر والده عشيقته وابنه منها ليعيشا تحت سقف واحد مع زوجته الشرعية.

وأمه، التي لم تحتمل تلك الإهانة، أنهت حياتها بيديها.

وبعد وفاتها، تعرض فارس لسوء المعاملة من زوجة أبيه، وللمضايقات لسنين من أخيه غير الشقيق.

وعندما بلغ الثامنة عشرة، جمع أدلة الرشاوى والاحتيال التي ارتكبها والده وقدمها للسلطات بنفسه، متسبباً في سجنه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *