عاد بعد اربع سنوات – محمد نور

نظرتُ إلى سارة وقلتُ لها بصدق: “شكراً لكِ لأنكِ أخبرتِني بالحقيقة”، ثم التفتُ إلى طارق وقلتُ له بابتسامة تحرر كامل:

— “كنتُ أظن أنني بحاجة لكرهك لأتجاوزك.. أما الآن، فأنا لا أشعر تجاهك بأي شيء على الإطلاق، حتى ولا الكراهية.”

الجزء السادس: النهاية والبداية الحقيقية

بعد شهرين من تلك الليلة، قرر طارق المغادرة والعودة إلى السعودية مجدداً، بعد أن أدرك أن وجوده لم يعد يغير شيئاً.

قبل سفره بيوم، طلب رؤيتي للمرة الأخيرة في حديقة المنزل الخلفية على المرفأ الصغير.

سألني بنبرة خالية من الغرور لأول مرة منذ أن عرفته:

— “هل كنتِ ستغفرين لي يوماً ما؟”

قلتُ له بصدق وهدوء:

— “لقد غفرتُ لك بالفعل منذ زمن بعيد.. ولكن الغفران لا يعني العودة. الغفران كان شيئاً فعلتُه من أجل نفسي ولأحرر قلبي من الماضي.. أما العودة إليك فكانت ستكون شيئاً أفعله من أجلك أنت.”

نظر إليّ طارق مطولاً بنظرة انكسار، ثم التفت نحو الشرفة حيث كان حمزة يقف ويتحدث في الهاتف يراقبنا بحماية. وعندما التقت أعيننا أنا وحمزة، ابتسم لي ابتسامة دافئة وخاصة، فرددتُ عليه بالمثل.

قال طارق بصوت خافت:

— “حمزة كان دائماً أذكار مني وأفضل..”

رددتُ عليه وأنا أسير خطوة نحو الشرفة باتجاه زوجي:

— “الأمر لم يكن متعلقاً بالذكاء يا طارق.. بل بأن حمزة لم يطلب مني أبداً أن ‘أنتظره’ بينما يمضي هو ليحيى حياته.”

غادر طارق في الصباح التالي دون أن أذهب لوداعه في المطار؛ فلم أكن بحاجة لذلك.

وبعد ستة أشهر، احتفلتُ أنا وحمزة بذكرى زواجنا في المطعم الصغير الهادئ الذي شهد أول لقاء رسمي بيننا.

بعيداً عن الأضواء والصحافة والمظاهر.

بعد العشاء، أخرج حمزة علبة صغيرة بها خاتم بسيط بزمردة الخضراء، وأمسك بيدي قائلاً:

— “عندما تزوجنا، كنتُ أعلم أن هناك جزءاً منكِ لا يزال يلملم جراحه.. ولم يكن يزعجني الانتظار قط.”

ثم ابتسم ونظر في عيني:

— “لكنني الآن أريد أن أسألكِ شيئاً: لو كان بإمكانكِ الاختيار من جديد، دون خوف، ودون أوهام الماضي، ودون أي التزامات.. هل كنتِ ستختارينني؟”

انسكبت دموع الامتنان من عيني، وأنا أتذكر الفتاة الصغيرة ذات الثمانية عشر عاماً التي ظنت أن عالمها انتهى. أردتُ لو أستطيع معانقتها وأقول لها إن الخذلان أحياناً يكون الباب الذي يفتح لكِ الحياة الحقيقية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *