عاد بعد اربع سنوات – محمد نور
لم يرمش لحمزة جفن، وقال بنبرة هادئة ورصينة:
— “هذا ما قلته بالضبط.”
أطلق طارق ضحكة ساخرة وجافة:
— “دعابة ممتازة يا أخي! هل تحاولان المزاح معي؟”
ثم خطا خطوة إلى الأمام محاولاً تجاهل حمزة، ونظر في عيني مباشرة:
— “يارا.. أهذا نوع من الانتقام؟ أردتِ إعطائي درساً لأنني رحلت؟ لا بأس، أستحق ذلك، لكن لعبة المزاح هذه مع حمزة تجاوزت الحد.”
وظل حمزة واقفاً كالجبل الراسي، ولم يتزحزح إنشاً واحداً، بل شدّ على خصري برفق ليزيد من تقربي إليه، ثم قال بصوت حازم ألقى برعشة في الجو:
— “ليست لعبة، ولا توجد دراما هنا يا طارق. يارا هي حرم حمزة الشافعي منذ ثلاثة أعوام كاملين.”
تجمدت الدماء في عروق طارق. اختفت الابتسامة تماماً، وتحولت ملامحه الواثقة إلى شحوب مفاجئ:
— “ثلاثة أعوام..؟” خرجت الكلمات من بين شفتيه بصعوبة، ثم واصل: “ولكن.. كيف؟ أمي لم تقل لي شيئاً! العائلة لم تذكر شيئاً!”
أجابه حمزة بنبرة قاطعة:
— “لأنك قطعت أخبارَك عن الجميع لأربع سنوات، ولم تكن تهتم بغير حياتك في جدة. عقدنا قراننا بوجود العائلة، وفي بيتنا.. البيت الذي كنتَ أنت غائباً عنه بملء إرادتك.”
التفت طارق إليّ، وكانت عيناه تتوسلان للحصول على تكذيب واحد:
— “يارا.. قولي إن هذا غير صحيح.. قولي إنكِ لم تفعلي ذلك! كيف تتركينني وتتزوجين من أخي؟ أنتِ كنتِ لي!”
نظرتُ إليه ببرود تام وهدوء أشد قسوة من الصراخ:
— “أنا لم أكن ملكاً لأحد يا طارق. أنت من اختار الرحيل، وأنت من تركتني أواجه نظرات الناس والشائعات وحدي. وحين احتجتُ إلى رجلٍ يقف بجانبي ويحمي كرامتي.. كان حمزة هو من مدّ لي يده، وليس أنت.”
أشار طارق بيده بنزق، وعلا صوته بمرارة:
— “ولكنكِ أحببتِني أنا! عشنا سنوات معاً! كيف أمكنكِ أن تمحي كل شيء وتبدليه بشقيقي؟”
أملتُ برأسي وقلتُ له بوضوح:
— “لقد كنتَ تظن أن ترك رسالة نصية تقول فيها ‘انتظريني’ يحول أربع سنوات من التخلي والغياب إلى عقد ملزم.. لقد أخطأت.”
— “كنتُ في الثامنة عشرة من عمري يا يارا!”
— “وأنا أيضاً كنتُ في الثامنة عشرة! ولكن لسبب ما، اعتقدتَ أنت وحدك أن لك الحق في تدمير حياتي لمجرد أنك كنتَ متخوفاً.”
تشنجت ملامح طارق وقال:
— “أنا لم أدمر حياتكِ!”
خطا حمزة خطوة باتجاهه، لكنني رفعتُ يدي بلطف:
— “دعني يا حمزة.. أريد أن أقول هذا بنفسي.”