عاد بعد اربع سنوات – محمد نور
كم كان مخطئاً!
الجزء الثاني: العودة والصدمة
بعد أربع سنوات كاملة، عاد طارق الشافعي إلى القاهرة.
أقامت عائلته حفلاً ضخماً في أحد أرقى الفنادق لاستقباله. أضواء خافتة، موسيقى حية، ومصورون يلتقطون الصور من كل جانب.. والجميع يحتفلون بالابن الأصغر لعائلة الشافعي وكأن غيابه كان مجرد مغامرة شبابية عابرة، وليس الفضيحة التي حطمت سمعتي وكرامتي.
أسرعت والدته لتعانقه بشدة ودموع الفرح في عينيها:
— “يا لك من ولد شقي! أربع سنوات دون أن تعود؟ هل تعلم كم أقلقْتَنا عليك؟”
ابتسم طارق بنفس تلك الابتسامة الساحرة التي كانت كفيلة سابقاً بحديثها أن تجعلني أغفر له أي شيء:
— “أعلم يا أمي، لقد أخطأت.”
ثم هز كتفيه بمبالاة:
— “كنتُ في الثامنة عشرة من عمري، والجميع يتحدثون عن الخطبة والزواج والأطفال.. شعرتُ بالخوف والذعر.”
قطبت والدته جبينها وتساءلت:
— “ولهذا السبب تخليتَ عن يارا؟”
ضحك وقال بنبرة هادئة:
— “لا تبالغي يا أمي! لقد عدتُ الآن.”
ثم أخذ كأساً وتابع بثقة:
— “ثم إن يارا تعرفني جيداً.. أراهن أنها لا تزال غاضبة، لكن الأمر سيمر وتهدأ كعادتها.”
فتحت والدته فمها، وكأنها على وشك إخباره بأمر جلل خطير، لكن طارق لم يمنحها الفرصة وقطع كلامها:
— “اتركي الأمر لي، أنا ويارا نعرف كيف نسوي أمورنا بأنفسنا.”
كنتُ أقف على بعد خطوات، وشعرتُ بالشفقة عليه تقريباً.. أربع سنوات بعيداً، ولا يزال يعتقد أن العالم توقف عن الدوران في غيابه!
ثم التفتَ طارق.. ورآني.
لتلك اللحظة، تجمد طارق في مكانه تماماً، وسقطت نظراته عليّ.
ثم ابتسم ابتسامته الواثقة:
— “يارا..”
ثم اقترب خطوة نحو الموضع الذي أقف فيه:
— “كم مضى من الوقت!”
رفعتُ كأسي بتحية باردة ورسمية:
— “أهلاً بك يا سيد طارق.”
تعثرت ابتسامته وتراجع بريقه:
— “السيد طارق؟”
دنا مني خطوة أخرى وخفض صوته:
— “ألا تزالين غاضبة؟ حسناً، أقر أنني كنتُ أحمقاً ورحلتُ دون وداع.”
للمزيد من القصص الحصرية انضم الى جروب : روايات محمد نور
ثم اتخذ تلك النبرة الحميمة التي كانت تفقدني قدرتي على المقاومة قديماً:
— “سامحيني.”
انتظر مني إجابة أو ترحيباً حاراً، وكأن هاتين الكلمتين كافيتان لمحو أربع سنوات من الألم والخذلان.
اكتفيتُ بالابتسام ببساطة وبعيون جافة:
— “لقد حدث ذلك منذ زمن بعيد.. والأفضل أن نتركه في الماضي.”