عاد بعد اربع سنوات – محمد نور

بدأ بإرسال الزهور إلى مكتبي، فكنتُ أهديها لموظفة الاستقبال. ثم أرسل الرسائل النصية: “نحتاج للحديث”.. “أعلم أنكِ متزوجة ولكن لا تقولي إنكِ نسيتِ ما كان بيننا”. لم أرد على أي منها.

حتى جاءت ليلة العشاء العائلي في قصر عائلة الشافعي.

عندما خرج حمزة إلى الحديقة لإجراء مكالمة عمل عاجلة، اقترب طارق مني عند طاولة المشروبات وقال بنبرة متوترة وحادة:

— “هل تنامين معه؟”

التفتُ إليه بذهول وازدراء:

— “عفواً؟”

— “فقط أجيبي!”

— “إنه زوجي يا طارق!”

اشتعلت عيناه وقال بغضب مكتوم:

— “أنا كنتُ الأول في حياتكِ!”

في تلك اللحظة بالذات، أدركتُ أن طارق لم يتغير مطلقاً. كل شيء بالنسبة له كان يتعلق بالتملك والأسبقية.

اقتربتُ منه وقلتُ بثبات:

— “هل تعرف ما هو أكبر خطأ ارتكبته؟ ليس رحيلك.. بل ظنك أنك لأنك كنتَ الأول، يجب أن تكون الأخير!”

شحب وجهه تماماً، وفي تلك اللحظة سمعنا صوتاً أنثوياً من خلفنا:

— “أرى أن بعض الأشياء لا تتغير أبداً.”

التفتنا معاً.. كانت سارة Bennett.

نفس سارة التي غادر طارق القاهرة من أجلها. مرت أربع سنوات، لكنني عرفتها على الفور.

نظر إليها طارق بضيق وجبينه معقود:

— “ما الذي تفعلينه هنا؟”

ردت سارة وهي تنظر إليّ بأسف:

— “والدتك هي من دعتني.. وأنا هنا لأنني تعبت من سماع روايتك المزيّفة، ولأعتذر ليارا عما حدث قبل أربع سنوات.”

ثم التفتت إليّ وقالت بصوت خفيض ونبرة نادمة:

— “يارا.. طارق لم يهرب بسبب خوفه الفجائي من الزواج كما يدعي. لقد كان قد قدم طلب نقل دراسته للجامعة في جدة قبل أربعة أشهر كاملة من الليلة التي قضيتها معه! كان قد خطط لكل شيء مسبقاً، حتى قبل أن يطلب منكِ أن تكوني له!”

تجمّد الدم في عروقي وأنا أنظر إلى طارق:

— “كنتَ قد خططتَ لكل شيء..؟”

أخرجت سارة ظرفاً ورقية من حقيبتها:

— “وهناك ما هو أسوأ.. في الصباح التالي لوصولنا إلى جدة، راهن طارق أحد أصدقائه على أنكِ ستظلين عازبة بانتظاره حتى يعود، وقال بثقة إنكِ لن تحبي أحداً كما أحببتِه، وأنك أصبحتِ مضمونة بالنسبة له!”

سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة.

في تلك اللحظة، تبددت آخر أوهام الماضي. لم يكن الأمر مجرد طيش شباب، بل كان استعلاءً وتملكاً مريضاً.

تدخل حمزة الذي كان قد عاد إلى القاعة، ووقف بجانبي بصلابة وأمسك بيدي، دون أن ينطق بكلمة؛ فوجوده وحده كان كافياً ليشعرني بالأمان والسكينة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *