لقاء الأب والابن في الطوارئ – محمد نور
جعلتني كلماته أبكي أكثر مما قد يفعل أي خاتم مجوهرات!
وفعلاً، فتح العيادة. وكانت الخالة أمينة أول مريضة غير رسمية تشكو من ظهرها!
— «خالة أمينة، أنا طبيب أطفال!»
— «كلكم أطباء، اسأل إيناس كم أدفع إيجاراً واعمل استثناءً!»
والدة طارق (كريمة) استغرقت وقتاً أطول، لكنها أتت ذات يوم بلا لؤلؤ ولا كبرياء، وقدمت اعتذاراً حقيقياً وطلبت فرصة لتكون جدة صالحة بوجود شروط صارمة مني، وأصبح زياد يحبها لأنها تعلمه الشطرنج ليصبح “عالم ديناصورات”.
بعد سنتين من تلك الليلة في الطوارئ، أصبحت حياتنا لا تُعوض.
لمزيد من القصص الحصرية تابعونا في الجروب الجديد : روايات محمد نور
وفي أحد الأيام، بينما كنت أجمع الإيجارات، سمعت صراخاً بالأسفل: «أمي!»
نزلتُ ركضاً، فوجدتُ البهو مفروشاً ببتلات الورود!
خرج طارق ومعه علبة.. هذه المرة كان خاتماً حقيقياً.
— «إيناس.. في المرة الأولى خسرتكِ لأنني لم أعرف كيف أقول ما أشعر به. هذه المرة أريد سؤالك بوضوح: أنا أحبكِ، وأحب هذا الطفل العجيب الذي ربيته، وأحب بناياتك القديمة ومقاطعك الحاسبة وشجارك على فواتير الماء.. أريد أن أقضي بقية عمري وأنا أعود للبيت إليكِ.»
لم يستطع زياد التحمل فصرخ: «أمي، قولي نعم!»
ضحكتُ بين دموعي: «نعم!»
خرج المستأجرون يصفقون، وصاحت الخالة أمينة من الطابق الثالث: «أخيراً! نحن ننتظر منذ سنتين!»
تزوجنا بعد ستة أشهر، حفل بسيط في الفناء بين بنايتينا.
وفي تلك الليلة، بعد أن نام زياد في بدله الصغيرة، نظرنا إليه أنا وطارق.
— «خسرتَ سنواته الخمس الأولى.. هل ما زال هذا يؤلمك؟» همستُ.
— «دائماً..»
أمسكتُ بيده: «لكنك ستكون هنا من أجل كل السنوات القادمة.»
تشابكت أصابعه مع أصابعي: «لكل ما يمنحني الله منها.»
في تلك اللحظة فتح زياد عينيه: «بابا.. أنا جائع، أريد دجاجاً مقلياً!»
نظر طارق للعادة: «إنها منتصف الليل!»
— «أريده!»
نظر إليّ طارق فرفعتُ حاجبي، وبعد 5 دقائق كان يرتدي معطفه ليبحث عن سيارته وسط ضحكاتنا.
نظرتُ إلى الرجل الذي لم يكن يعلم قبل سنوات أن لديه ابناً.. إلى الطبيب الذي أصبح يربطه حب دافئ بعائلته، وابتسمت.
لأن الحياة أحياناً لا تعيد لك ما فقدته، لكن إن توقف شخصان عن الاختباء خلف الكبرياء والصمت.. فإنها تمنحهما فرصة ثانية لبناء غدٍ أفضل.