لقاء الأب والابن في الطوارئ – محمد نور

كنتُ المبادرة بالحديث:

— «لم أخبرك لأنني عندما رحلت.. ظننتُ أن هذا هو الأفضل.»

ضحك طارق ضحكة جافة: «الأفضل لمن؟»

— «للجميع.»

— «لا تتحدثي نيابة عني!»

— «أنت لم تكن تريد أطفالاً!»

ساد الصمت فورًا. عقد طارق حاجبيه: «ماذا؟»

شعرتُ بجرح قديم يفتح في داخلي؛ جرح ظننتُ لسنوات أنه التأم:

— «هل ستتظاهر حقًا بأنك لا تتذكر؟»

— «أتذكر الكثير عن زواجنا.»

— «إذن تذكّر العشاء في منزل والدتك!»

تجمّد طارق في مكانه، بينما عادت بي الذاكرة خمس سنوات إلى الوراء..

إلى ذلك القصر المفرط في الأناقة.. إلى الطاولة العريضة.. وإلى والده ووالدته كريمة وهي تنظر إليّ وكأنني بقعة غير مرغوب فيها على مفرش طاولتها.

كنا حينها متزوجين منذ أكثر من عام. وكان طارق قد أنهى للتو فترة تخصص جراحي مرهقة، ينام أربع ساعات ويفيض وقته في المستشفى.

وفي ذلك العشاء، وضعت أمه كأسها وقالت بصلف: «طارق أمامه مستقبل باهر، وأتمنى أن تكون لديكما الفطنة لعدم تعقيد حياته بالأطفال مبكرًا.»

كنتُ حاملًا في أسبوعي السادس، ولم أكن قد أخبرتُ أحدًا بعد.

نظرتُ إلى طارق منتظرةً منه كلمة واحدة.. أي كلمة: “نريد تأسيس عائلة”، أو “هذا أمر نسيطر عليه بأنفسنا”.

لكن طارق ردّ ببرود: «هذا ليس في مخططاتي.»

أربع كلمات فقط.

ابتسمت أمه، وشعرتُ أنا بأن العالم ينهار بي.

في تلك الليلة بالبيت، حاولتُ سؤاله: «ألا تريد أطفالاً أبدًا؟»

كان يجلس أمام حاسوبه يراجع الملفات: «لا أستطيع التفكير في هذا الآن.»

— «وماذا عن المستقبل؟»

تنهد بقوة: «إيناس، لدي جراحة عند السادسة صباحًا، لا أريد لحياتي أن تتغير الآن!»

كانت يدي على بطني.. ولم يلاحظ ذلك أبداً.

بعد ثلاثة أسابيع تشاجرنا.. ليس بسبب الطفل، بل بسبب غيابه، وبسبب أمه، وبسبب الليالي التي قضيتها بمفردي.. وشعوري بأنني متزوجة من شبح.

وأخيراً قلت: «أريد الطلاق.»

ولم يحاول إيقافي، بل قال فقط: «إن كانت هذه رغبتك..»

وقّعتُ الأوراق ورحلت. وبعد يومين، اكتشفتُ أن النزيف الخفيف الذي أصابني لم يكن إجهاضاً كما خفت.. كان زياد ما يزال ينبض في أحشائي.

لمزيد من القصص الحصرية تابعونا في الجروب الجديد : روايات محمد نور

لكن زواجي كان قد انتهى.. وكنتُ أعتز بكبريائي مجروحةً ومقتنعةً بأن طارق سيتنفس الصعداء إن لم يعلم بالأمر أبدًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *