لقاء الأب والابن في الطوارئ – محمد نور

تجمد الدم في عروقي.

ثم ينطق بالسؤال الذي ظل يتهرب منه طوال خمس سنوات:

— «والآن.. أخبريني بحق السماء، لماذا سرقتِ مني خمس سنوات من حياة ابني؟»

لعدة ثوانٍ لم أسمع أي شيء..

لا صوت الثلاجة، ولا حركة السيارات في الشارع.. بل ولا حتى صوت زياد الذي كان ما يزال مطلعاً خلف الأريكة ظناً منه أننا لا نعلم بوجوده.

كل ما كان يتردد في أذني هي تلك الجملة:

«سرقتِ مني خمس سنوات من حياته.»

نظرتُ إلى ورقة تحليل الـ DNA، ثم رفعت عينيّ نحو طارق:

— «كيف حصلت على هذا؟»

اشتدت ملامح وجهه قسوة:

— «هذا ما يقلقكِ الآن؟»

— «سألتك: كيف؟»

— «كوب استخدمه زياد في المستشفى، وعيّنة مني.»

— «بدون إذني؟!»

— «وهل أخذتِ إذني حين حرمتيني من حضور لحظة ولادته؟»

أفحمتني كلماته. خفض طارق صوته واستطرد:

— «لم أمنحكِ إذناً لأفقد كلمته الأولى.. ولا خطواته الأولى.. ولا يومه الأول في الروضة.. ولا أعياد ميلاده..»

قبضت على أصابعي بقوة.

ولأول مرة منذ عرفته، تكسّر صوته خفوتًا.. بضعة نبرات حزينة كانت كافية جدًا:

— «لم أكن بجانبه حين مرض.. لا أعرف ما الطعام الذي يكرهه.. لا أعرف ما لعبته المفضلة.. ولا إن كان يخاف من الظلمة.. لا أعرف كيف كان ينام وهو رضيع!»

ثم نظر إليّ بعينين لم تعد فيهما تلمحات البرود، بل ألمٌ جارف:

— «لم أكن أعلم حتى بوجوده!»

من خلف الأريكة، صدرت حركة خفيفة. التفتنا كلينا.

خرج زياد ببطء وهو يتنقل بنظراته بيننا: «هل تتشاجران؟»

اختفت كل علامات الغضب من وجه طارق فورًا، في التحول أدهشني أكثر من أي شيء آخر. انحنى حتى أصبح بمستوى طول الصغير:

— «لا يا حبيبي.»

— «لكن وجهك يبدو غاضبًا!»

— «أنا أتحدث مع أمك في أمور الكبار فقط.»

— «عندما تتحدث أمي مع الخالة أمينة عن أمور الكبار، تنتهي المحادثة بصرخات بسبب فاتورة الماء!»

لم أستطع منع نفسي من إغماض عينَيّ خجلاً، بينما كادت ابتسامة تفرّ من شفتي طارق.

أشار زياد إلى الورقة: «ما هذا؟»

سحبتها قبل أن يقترب: «لا شيء مهم يا بطل.»

نظر إليّ طارق، لكنه قرر عدم الجدال الآن.

اقترب زياد منه: «هل أحضرت لي المثلجات؟»

طرف طارق بعينيه غير مصدق، فنظرتُ إليه، ثم نظر هو إلى زياد وابتسم: «نعم.»

أخرج كيسًا كان قد تركه بجانب الباب، فقفز زياد فرحًا: «كنت أعلم أنك ستجلبها!»

بعد خمس دقائق، كان ابني يأكل مثلجات الفانيليا بسعادة أمام التلفاز، بينما جلستُ أنا ووالده البيولوجي في المطبخ كشخصين يستعدان لخوض حرب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *