العجوز وسر التربة- محمد نور
رأيتُ شيخاً يناهز السبعين من عمره يقتاد ابنتي ذات السبع سنوات نحو مستودعه، بينما همست لي جارتي: “اتصلي بالشرطة قبل أن يغلق الباب”. وعندما ركضتُ نحوهما، كان الباب قد أُغلق بالفعل. وبعد ثوانٍ معدودة، خرجت ابنتي وهي تبتسم وممسكة بمجسم قديم للكرة الأرضية بين ذراعيها. حينها أبصرتُ تراباً حُفر حديثاً خلف المستودع… في البقعة ذاتها التي كان الجميع يجزمون أن ذلك الرجل قد دفن زوجته فيها.
— “ذلك العجوز تسبب في اختفاء زوجته… والان ابنتك تدخل مستودعه بمفردها. لو كنتُ مكانكِ لبلغت الشرطة فوراً قبل أن يغلق الباب”.
أسقطت مريم الملعقة من يدها داخل الكوب.
تناثرت قطرات القهوة على طاولة المطبخ الصغير الذي تستأجره في أطراف ضواحي بلدة الريف، لكنها لم تلاحظ ذلك حتى.
— “ماذا قلتِ؟”
أشارت جارتها، منيرة، نحو الطريق الترابي الذي يمر بين أشجار الصنوبر.
— “رأيت سارة تعبر سياج العم سلمان، وكانت تحمل كيساً صغيراً فيه بعض الفطائر”.
ركضت مريم على الفور.
لم يكن قد مضى على إقامتها هناك مع ابنتها ذات السبع سنوات سوى أربعة أشهر. فبعد وفاة زوجها في حادث سير أليم، قضت سنوات تتنقل بين الأعمال المؤقتة والديون، والليالي التي كانت تتظاهر فيها بالقوة حتى لا تراها سارة وهي تبكي.
كان الانتقال إلى هذه البلدة محاولتها لبدء حياة جديدة.
تعمل صباحاً في صيدلية، وثلاث ليالٍ في الأسبوع تقوم بتنظيف العيادات الطبية. لم تكن هذه هي الحياة التي طالما حلمت بها، لكنها للمرة الأولى باتت قادرة على دفع الإيجار دون الحاجة لطلب المساعدة من أحد.
وكانت سارة تبدو سعيدة.
ربما كانت فضولية أكثر من اللازم.
كانت الصغيرة تجمع أوراق الشجر، وتطرح الأسئلة على الغرباء، وتثق تماماً بأن كل منزل قديم يخبئ بداخله كنزاً.
وبهذه الطريقة اكتشفت أملاك العم سلمان.
كان البيت يقع في نهاية طريق ضيق، تحيط به أشجار الصنوبر العالية وسياج قديم. وخلفه مستودع خشبي، وحديقة صغيرة، وبناء كست جدرانه النباتات المتسلقة.
أما الشائعات التي تدور حول صاحب البيت فكانت أقل سحراً بكثير.
يقال إن زوجته، مريم، اختفت منذ سنوات طويلة.
ولم يشهد أحد قط جنازتها.
ومنذ ذلك الحين، يعيش العجوز في عزلة تامة.
كما يُقال إنه يقتني حيوانين رماديين ضخمين يشبهان الذئاب.