العجوز وسر التربة- محمد نور

 

التفتت للموجودين: “أخي أصبح مهندساً معمارياً الان.”

 

انكسر شيء ما في الجمع. خفض الجميع هواتفهم، انسحب البعض وصمت آخرون.

 

اقتربت منيرة: “عم سلمان… سامحني.”

 

نظر إليها هنيئة: “مشكلة الشائعات ليست في كذبها، بل في وجود من يتمنى تصديقها.” ثم أجهشت بالبكاء.

 

في الأسابيع التالية، حدث ما لم يتوقعه سلمان؛ نظمت مديرة المدرسة حملة تبرعات بالكتب والألعاب القديمة ليصلحها، وبدأ الجيران يزورونه. لم يصبح الجميع أصدقاء مقربين، وهو لم يرد ذلك إذ فضل صباحاته الهادئة، لكنه لم يعد “عجوز الغابة المرعب”، بل عاد الأستاذ سلمان، الجار والمعلم الذي يصلح الكتب والساعات.

 

عندما دخلت سارة المدرسة، أرادت أخذ مجسم الكرة الأرضية الكبير.

قالت مريم: “لا، هذا المجسم ثقيل جداً.”

 

ضحك سلمان الذي جاء ليودعها: “المجسمات للسفر بالخيال يا سارة، ليس لحمل 8 كيلوجرامات في الحافلة!”

 

بعد عام، في صباح بارد، ذهبت مريم وسارة لمنزله وبيديهما فطائر دافئة. لم يكن هناك دخان يتصاعد من المدخنة. طرقتا الباب فلم يجبا وكان غير مغلق.

 

وجدتا سلمان جالساً قرب النافذة ملتفاً ببطانية.

— “عم سلمان…”

 

فتح عينيه ببطء: “لا داعي للقلق، أنا تعب فقط.”

 

اتصلت مريم بالإسعاف، وفي المستشفى قال الأطباء إن قلبه ضعيف جداً. كان عمره 74 عاماً.

 

خلال أسبوعه الأخير، امتلأت الغرفة بالزوار؛ طلابه القدامى، الجيران، وأهالي الأطفال. جاءت منيرة بنبتة صغيرة ولم تستطع النظر في عينيه: “أحضرت لك وردة.”

 

ابتسم سلمان: “إذن نحن متسامحون الان.”

 

كانت سارة تقضي أمتار أوقاتها بجانبه. وفي اليوم الأخير، كانت تمسك بساعة الجيب القديمة: “لم تكتمل القصة بعد.”

 

رفع سلمان يده المرتجفة: “داخل الصندوق ورقة.”

— “ومتى أقرؤها؟”

— “عندما تكبرين بما يكفي لتفهمي أن بعض الأشياء ذات قيمة لأن أحدهم قرر الحفاظ عليها.”

 

بكت سارة: “لا أريدك أن ترحل.”

 

نظر سلمان لمريم ثم لابنتها: “عندما توفيت سعاد ظننت أن قصتي انتهت…” تنفس ببطء: “…ثم ظهرت طفلة في فنائي تحمل فطائر، وأكلت ثلاث كعكات دون استئذان وبدأت تطرح الأسئلة.”

 

ابتسمت سارة بين دموعها: “كانتا كعكتين فقط!”

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *