العجوز وسر التربة- محمد نور

خرجت سارة وهي تحمل مجسم كرة أرضية نحاسياً قديماً، يكاد يوازي حجم نصف جسدها.

تنادت سارة ببهجة: “أمي! انظري!”

هرعت مريم نحوها وسألتها: “ماذا كنتِ تفعلين بالداخل؟”

أجابتها: “العم سلمان أهداني هذا، وقال إنه لأتعلم منه الجغرافيا”.

أوضح العجوز من عند الباب: “كنتُ أريها فقط أين أحتفظ به”.

تنفسَت مريم عميقاً محاولة تهدئة روعها.

وفجأة، لمحت شيئاً خلف المستودع…

مساحة مستطيلة من التربة الداكنة.

قد حُفرت حديثاً.

حديثاً جداً.

رأتها منيرة أيضاً، فتغيرت ملامح وجهها واقتربت تهمس في أذن مريم:

— “هناك يقال إنه دفن زوجته…”

حدقت مريم في التربة، ثم نقلت نظرتها إلى سلمان.

لاحظ العجوز نظراتهما، لكنه لم ينطق بكلمة.

وللمرة الأولى منذ أن وطأت أقدام مريم هذه البلدة، تملكها خوف حقيقي.

في تلك الليلة، وضعت مريم مجسم الكرة الأرضية فوق الثلاجة وقالت بحزم: “لن تعودي إلى ذلك المنزل مجدداً”.

انشجت سارة بالبكاء: “الجميع يتحدث عنه دون أن يكلف أحدهم نفسه عناء سؤاله!”

تسمرت مريم في مكانها.

فقالت: “هذا لا يغير من القواعد شيئاً”.

مسحت سارة دموعها وقالت: “أحياناً يختلق الكبار الأشياء لأنهم يخافون من السؤال”.

لم تجد مريم ما ترد به.

لم تكن تعلم حينها أن هذه العبارة العفوية من ابنتها ستضع البلدة بأكملها أمام مرآة الحقيقة.

ولم تكن تتخيل أبداً ما كان يقبع بالفعل تحت تلك التربة المحفورة حديثاً.

رأيتُ شيخاً يناهز السبعين من عمره يقتاد ابنتي ذات السبع سنوات نحو مستودعه، بينما همست لي جارتي: “اتصلي بالشرطة قبل أن يغلق الباب”. وعندما ركضتُ نحوهما، كان الباب قد أُغلق بالفعل. وبعد ثوانٍ معدودة، خرجت ابنتي وهي تبتسم وممسكة بمجسم قديم للكرة الأرضية بين ذراعيها. حينها أبصرتُ تراباً حُفر حديثاً خلف المستودع… في البقعة ذاتها التي كان الجميع يجزمون أن ذلك الرجل قد دفن زوجته فيها.

 

الجزء الأول:

 

— “ذلك العجوز تسبب في اختفاء زوجته… والان ابنتك تدخل مستودعه بمفردها. لو كنتُ مكانكِ لبلغت الشرطة فوراً قبل أن يغلق الباب”.

 

أسقطت مريم الملعقة من يدها داخل الكوب.

 

تناثرت قطرات القهوة على طاولة المطبخ الصغير الذي تستأجره في أطراف ضواحي بلدة الريف، لكنها لم تلاحظ ذلك حتى.

 

— “ماذا قلتِ؟”

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *