العجوز وسر التربة- محمد نور

أشارت جارتها، منيرة، نحو الطريق الترابي الذي يمر بين أشجار الصنوبر.

 

— “رأيت سارة تعبر سياج العم سلمان، وكانت تحمل كيساً صغيراً فيه بعض الفطائر”.

 

ركضت مريم على الفور.

 

لم يكن قد مضى على إقامتها هناك مع ابنتها ذات السبع سنوات سوى أربعة أشهر. فبعد وفاة زوجها في حادث سير أليم، قضت سنوات تتنقل بين الأعمال المؤقتة والديون، والليالي التي كانت تتظاهر فيها بالقوة حتى لا تراها سارة وهي تبكي.

 

كان الانتقال إلى هذه البلدة محاولتها لبدء حياة جديدة.

 

تعمل صباحاً في صيدلية، وثلاث ليالٍ في الأسبوع تقوم بتنظيف العيادات الطبية. لم تكن هذه هي الحياة التي طالما حلمت بها، لكنها للمرة الأولى باتت قادرة على دفع الإيجار دون الحاجة لطلب المساعدة من أحد.

 

وكانت سارة تبدو سعيدة.

 

ربما كانت فضولية أكثر من اللازم.

 

كانت الصغيرة تجمع أوراق الشجر، وتطرح الأسئلة على الغرباء، وتثق تماماً بأن كل منزل قديم يخبئ بداخله كنزاً.

 

وبهذه الطريقة اكتشفت أملاك العم سلمان.

 

كان البيت يقع في نهاية طريق ضيق، تحيط به أشجار الصنوبر العالية وسياج قديم. وخلفه مستودع خشبي، وحديقة صغيرة، وبناء كست جدرانه النباتات المتسلقة.

 

أما الشائعات التي تدور حول صاحب البيت فكانت أقل سحراً بكثير.

 

يقال إن زوجته، مريم، اختفت منذ سنوات طويلة.

 

ولم يشهد أحد قط جنازتها.

 

ومنذ ذلك الحين، يعيش العجوز في عزلة تامة.

 

كما يُقال إنه يقتني حيوانين رماديين ضخمين يشبهان الذئاب.

 

عندما وصلت مريم وهي تلهث، وجدت سارة جالسًة على العتبة الخارجية للمنزل.

 

وكان يجلس قبالتها رجل في السبعين من عمره، بلحية بيضاء، وثوب دافئ، ويدين أنهكهما الزمن.

 

كان يحمل ساعة جيب قديمة.

 

قال لها: “هذه كانت لجدي… عمرها أكثر من مئة عام”.

 

سألته سارة: “وهل ما زالت تعمل؟”

 

فأجابها: “عندما ترغب في ذلك… تماماً مثلي”.

 

أطلقت سارة ضحكة عالية.

 

صرخت مريم: “سارة!”

 

قفظت الصغيرة واقفة: “أمي! هذا العم سلمان، لديه خرائط قديمة جداً ومجسم ضخم للكرة الأرضية ويقول إن…”

 

قاطعتها مريم وهي تمسك يدها بقوة: “سنغادر الان”.

 

وقف سلمان ببطء وقال: “أتفهم قلقكِ يا سيدتي”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *