لقاء الأب والابن في الطوارئ – محمد نور
راقبته بشك وحذر.
وكانت تلك هي البداية فقط.
بعد يومين: «زياد بحاجة لمعاينة.»
بعد ثلاثة أيام: «كنتُ بالقرب من الحي، جئتُ لأتأكد إن كانت الحمى قد عادت.»
وبعد أسبوع، ظهر أمام بنايتي يحمل حقيبة مليئة بالفواكه:
— «الأطفال بعد الالتهابات بحاجة لتغذية جيدة.»
— «أنت طبيب قلب أطفال يا طارق!»
— «أعرف كيف أقطع التفاح أيضًا.»
ولم يكن يعرف!
فقد أفسد ثلاث تفاحات قبل أن يخرج بشريحة واحدة مرتبة.
أما زياد، فقد كان مأخوذًا به ومفتونًا.
كان طارق يجيب عن أسئلته حول الديناصورات، ويصلح ألعابه المكسورة، ويعلمه كيف يستخدم سماعة الطبيب.
وحين قال زياد في أحد الأيام: «أشتهي دجاجًا مقليًا»،
فإن طارق —الرجل الذي كان أثناء زواجنا يرى أن الانتظار عشر دقائق للحصول على طاولة في مطعم هو ضياع لا يغتفر للوقت— انتهى به المطاف واقفًا في طابور طعام سريع لمدة أربعين دقيقة.. وهو ما يزال يرتدي معطف المستشفى!
كنتُ أراقب كل ذلك وأنا لا أصدق من هذا الرجل.
طليقي البارد، المتباعد، ذو الكبرياء العالي، يبدو أنه هبط أخيراً إلى عالم البشر.
لكن زياد بدأ يكتشف شيئًا خطيرًا.. خطيرًا جدًا.
في أحد الأيام، سمعته يتحدث في الهاتف وهو مختبئ خلف الأريكة:
— «نعم.. أمي اليوم في البناية المجاورة.»
صمت.
— «يمكنك المجيء.»
صمت آخر.
ثم خفض زياد صوته أكثر: «لكن احضر معك المثلجات.»
اقتربتُ منه ببطء: «زياد..»
تسمّر طليقي الصغير في مكانه. أخذتُ الهاتف منه، وكانت الشاشة تظهر:
[الدكتور طارق]
وقبل أن أنطق بكلمة، نظر إليّ زياد بعينيه الواسعتين وقال فورًا:
— «أمي.. لا تغضبي مني.»
— «ولماذا أغضب؟»
فرك يديه ببعضهما بتوتر وبلع ريقه:
— «لأني.. في بعض الأحيان..»
ثم همس: «في بعض الأحيان أناديه: بـ “بابا”.»
شعرتُ وكأن الأرض تسحب من تحت قدمي.
وفي تلك اللحظة بالذات، طُرِق الباب.
ثلاث طرقات.. بطيئة.. ومعروفة.
فتحتُ الباب.
كان طارق يقف هناك.
لكنه هذه المرة لم يكن يحمل فاكهة، ولا ألعابًا، ولا أعذارًا طبية.
كان يحمل فقط ظرفًا أبيض رسميًا.
وضعه على الطاولة.
— «إيناس.»
كان صوته باردًا تمامًا كبرود تلك الليلة قبل خمس سنوات:
— «لن أسألكِ بعد الآن.»
فتحتُ الظرف.
كان تقرير تحليل الدنا (DNA).
نسبة إثبات الأبوة: 99.9998%.
نظر طارق في عينَيّ مباشرة:
— «زياد هو ابني.»