لقاء الأب والابن في الطوارئ – محمد نور

تطلّع في عينَيّ مباشرة: «لأنني لم أتوصل يوماً عن حبكِ.»

حبستُ أنفاسي، فتابع قبل أن أتكلم: «كنتُ غاضباً حين رحلتِ، ثم تملكني الكبرياء فلم أبحث عنكِ.. ظننتُ أنكِ أصبحتِ سعيدة بالتخلص مني.»

— «وأنا ظننتُ أنك لا تهتم!»

نظرنا لبعضنا.. خمس سنوات كاملة بُنيت على الصمت!

همستُ: «كنا أحمقين..»

— «نعم.. وأنا الأكثر حماقة.»

ضحكتُ، وشاركني الضحك.. وكان ذلك خطيراً، لأنني تذكرتُ لماذا أحببته في المقام الأول؛ ليس للطبيب الباهر، بل لتلك اللحظات الدافئة التي تسقط فيها دروعه.

لكن الوقوع في الحب مجدداً كان أمراً مختلفاً، لم أكن مستعدة للثقة لمجرد أنه يشتري دراجات ويقشر التفاح.

لذا بدأنا من الصفر.. مواعيد، قهوة، سينما، أحياناً يأتي زياد وأحياناً لا.

اكتشفتُ أن طارق تغير، وأنا أيضاً تغيرت؛ لم أعد تلك الفتاة التي تنتظر أن يحزر زوجها ما بها. إن أزعجني شيء أقوله، إن اختفى في المستشفى أواجهه.

ولدهشتي، كان طارق يستمع بصدق.

بعد أشهر، كان لدى زياد حفل في الروضة، يلعب دور “شجرة”!

كان يرتدي كرتوناً أخضر حول رأسه وغصنين على يديه.

طارق كان قد طلب إجازة قبل ثلاثة أسابيع، لكن وسط الحفل جاءته مكالمة طارئة من المستشفى.

رأيتُ تعابيره، فقلت له: «اذهب.»

نظر لزياد على المسرح ثم للهاتف: «يمكنهم تغطيتي.»

— «هل الحالة خطيرة؟»

— «نعم.»

— «إذن اذهب.. كونك أباً لا يعني ألا تذهب، بل يعني أن تعود!»

نظر إليّ لثوانٍ ثم ركض للمستشفى.

عند الحادية عشرة ليلاً، سمعنا سيارته. دخل وهو ما يزال بزي الجراحة، فركض زياد وناداه: «بابا!»

كانت أول مرة يناديه بها أمامي بلا تردد!

تجمّد طارق، ثم رفعه بين ذراعيه: «آسف يا بطل، لقد فاتني العرض!»

— «أمي سجلته فيديو! لكن عليك أن تقول لي إنني كنتُ أفضل شجرة!»

نظر إليه طارق بجدية: «كنتَ أكثر شجرة مقنعة رأيتها في مسيرتي الطبية!»

التحول الحقيقي جاء بعد عام تقريباً.

أتى طارق علبة صغيرة، فقلتُ فوراً: «إياك أن تجثو على ركبتيك إن كان هذا خاتماً!»

ابتسم: «ليس خاتماً..»

فتح العلبة؛ كان فيها مفتاح!

— «اشتريتُ البناية المجاورة لبنايتك.»

— «ماذا؟!»

— «زياد قال إنه عندما يكبر يريد العيش بجانبكِ كي لا يضطر للقيادة!»

— «عمره ست سنوات!»

— «إنه يخطط للمستقبل!» ضحك طارق وتابع: «أريد فتح عيادة أطفال صغيرة في الطابق السفلي، والشقق العلوية سنؤجرها.. لا أريد إخراجك من حياتك، بل أريد بناء شيء بجانب حياتك.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *