التضحية – محمد نور
أمينة هي الأخرى واصلت تحسنها، وأصبحت تتنقل بعكاز وتستعيد معظم قدرتها على الكلام.
أما سليم، فقد أتم مدة عقوبته. تفتت شبكته القديمة، وتخلى عن ألقاب “الزعيم” و”النفوذ”. وبعد خروجه، أسس شركة صغيرة وقانونية بالكامل لإعادة ترميم المباني والعقارات، وعاش حياة هادئة تحت الرقابة وبلا حراس أو مواكب.
لم تركض سارة إليه فور خروجه، بل انتظرت أربعة أشهر حتى نظمت السيدة أمينة مأدبة عشاء صغيرة في منزلها الجديد.
عندما فتح سليم الباب، وقف الاثنان ينظران إلى بعضهما:
— أهلاً سارة.
— أهلاً سليم.
— أمي تقنعني منذ ساعتين ألا أفسد هذا اللقاء.
ابتسمت سارة:
— امرأة حكيمة.
بدأت علاقتهما من تلك الليلة… ببطء ووعي. لم تكن قصة حب رومانسية قائمة على فكرة أن “المرأة الصالحة غيرت المجرم المظلم”، بل لأن سليم تحمل مسؤولية أخطائه وغير حياته بنفسه، ولأن سارة أحبت فيه الجانب الإنساني الصادق دون أن تتغاضى عن ماضيه.
بعد خمس سنوات من حادثة الرصاصات، أُدين سليمان العز نهائياً.
وفي إحدى الليالي، نظر سليم إلى آثار الجراح على كتف سارة وحوضها وقال بأسى:
— يؤلمني أن أراها… لو أنني فقط لم أنقلكِ إلى المزرعة…
ردت سارة بصرامة هادئة:
— سليم… لن نبني علاقتنا على عالم افتراضي تتخيل فيه أنك تتحكم بكل رصاصة. هذه الجراح تذكرنا بأننا نجونا، ولا يمكنك تحويلها إلى عقاب أزلي لنفسك.
بعد سنوات، تزوج سليم وسارة في حفل صغير بسيط على شاطئ البحر.
حضرت السيدة أمينة وهي تستند إلى عكازها وتبكي فرحاً، وحضرت إلهام، وتوفيق.
لم تكن هناك وعود خيالية، بل قال سليم:
— أعدكِ ألا أُحول الخوف يوماً إلى سلطة عليكِ.
وردت سارة:
— وأعدك ألا أخلط بين حبي لك وبين تحمّلي مسؤولية قراراتك.
سأل أحدهم سارة يوماً عما إذا كانت نادمة على القفز أمام الرصاصات لحماية مسنة لا تعرفها، فأجابت:
— كنت أتمنى لو كان هناك خيار آخر… فالرصاصات تترك ألماً وجراحاً وكوابيس، وليس فيها أي جمال. لكن إن سألتني هل كنت سأترك امرأة مسنة تموت وأنا أستطيع تحريكها؟ فالإجابة هي لا… ليس لأنني بطلة، بل لأنني إنسانة رافضة للعجز.
أدرك سليم في النهاية أن القوة الحقيقية لم تكن يوماً في عدد الأسلحة، ولا في الأموال، ولا في إرهاب الناس… بل كانت في شجاعة أخصائية طبيعية خائفة، امتلكت من الحرية في قلبها ما جعلها تختار حماية روح أخرى في لحظة فارقة.