التضحية – محمد نور

لمزيد من القصص الحصرية تابعونا في الجروب الجديد : روايات محمد نور

وفي إحدى الليالي، وجد سارة تجهّز بطاقات التخاطب التي تستخدمها أمينة لاستعادة الكلمات.

— هل قالت أي كلمة جديدة اليوم؟

— ثلاث كلمات.

— ما هي؟

— “قهوة”، “كثيراً”، و”مزعج”.

رفع سليم حاجبه وقال:

— مزعج؟

— كانت تتحدث عنك.

للمرة الأولى رأته يبتسم. دامت الابتسامة لثانيتين فقط، لكنها كانت كافية لتجعلها تنسى لبرهة من يكون هذا الرجل.

وهنا كان الخطر؛ لم يكن الخطر في أن يكون سليم قاسياً معها، بل في أنه كان يبدو إنسانياً بشكل غير متوقع مع أمه: يغطيها باللحاف، يدفئ يديها الباردتين، ويحفظ كل التمارين الرياضية رغم تظاهره بعدم الاهتمام. وعندما كانت أمينة تنجح في نطق كلمة كاملة، كان هذا الرجل الذي يخشاه الجميع يبدو مجرد ابن كان وشيكاً على فقدان أمه.

ذكّرت سارة نفسها القواعد: هي مجرد موظفة، وهو رجل مرتبط بعالم لا تريد معرفة أي شيء عنه. ثلاثة أشهر… لا غير.

بعد فترة، بدأت أمينة تحاول نطق كلمة أخرى:

— سـ…

— نعم؟ —سألتها سارة.

نهت أمينة برأسها:

— سـ… ثم شكلت حرف “L” بأصابعها.

بحثت سارة بين البطاقات:

— ساعة؟

— لا.

— سرير؟

— لا.

أشارت أمينة بيدها إلى صورة الحراسة والأمن التي تركها سليم على الطاولة. كان يقف فيها عدة رجال خلفه، واستقرت أصبعها المرتجفة بالقرب من “سليمان العز”، رئيس حرس عائلة الداغر منذ ما يقرب من عشر سنوات.

— سليمان؟

اضطربت أمينة وأومأت برأسها مؤكدة. ثم حاولت نطق كلمة أخرى:

— مـ… كـ…

— مرآب؟ (كراج؟)

اتسعت عينا أمينة بالكامل… نعم!

دونت سارة الكلمتين. لم تكن تفهم ما تعنيانه، ولم تسأل.

بعد يومين، أُبلغوا بأنه يتعين على أمينة إجراء فحص بالرنين المغناطيسي المتخصص. رغب سليم في إحضار المعدات والأطباء إلى المزرعة، لكن طبيب الأعصاب رفض:

— يجب أن تأتي إلى المستشفى.

دعمت سارة رأي الطبيب، فنظر إليها سليم بحادّة:

— أنتِ لا تعرفين حجم المخاطرة.

— وأنا أعرف خطر تعرضها لسكتة دماغية أخرى.

— يمكنني زيادة الحراسة والأمن.

— إذن زد الحراسة، لكن والدتك بحاجة إلى هذا الفحص.

رفعت أمينة يدها السليمة وقالت:

— سأذهب.

وخسر سليم النقاش.

في صباح يوم الفحص، كانت السماء تمطر. خرجوا بموكب يتكون من ثلاث سيارات وحراسة مشددة. كان كل شيء يبدو تحت السيطرة… حتى دخلوا الموقف الخاص بالمستشفى.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *