نهاية زواج – محمد نور
قال بصوت مرتجف: “سارة، لا تخافي… سآخذكِ إلى المستشفى.”
شاهدته وهو يحملها بحذر، ويغطي كتفيها بجاكيته، ثم يخرج. امتزج صوت وقع جزمته العسكرية في الساحة بصوت شيء انكسر في داخلي للمرة الأخيرة. لم أصرخ باسمه، لم أناده، ولم أطلب منه أن يلتفت خلفه. بقيتُ جالسة على الجدار البارد، والدم يختلط بالدموع، وفجأة تذكرتُ ليلة مثلجة عندما كنا في الثامنة عشرة من عمرنا.
كنا مجرد مجندين حينها. سرق طارق مركبة مدرعة ليأخذني خارج معسكر التدريب. كانت الجبال مغطاة بالبيضاء، والسماء تبدو كالزجاج. كتب هو على زجاج النافذة المتجمد: “طارق الحازمي لن يحب في هذه الحياة سوى نورة الشريف.”
ضحكتُ يومها وأطرافي متخدرة من البرد: “وماذا لو أخلفتَ وعدك؟”
قبّلني وزيُّه الخشن يلامس خدي: “لن أفعل، أنا لا أحتاج أحداً سواكِ.”
عدتُ إلى الحاضر وأطلقتُ ضحكة مكسورة: “أيها الكاذب.”
المرة التالية التي أفقتُ فيها كانت في المستشفى العسكري. لم أكن أدرك في البداية أين أنا. رائحة المعقمات، والرنين البعيد لأجهزة المراقبة، والضوء الأبيض المنسكب من السقف. وضعتُ يدي على جبهتي فوجدتُ ضمادة، وكان معصمي مَضموداً أيضاً.
أدرتُ رأسي فلم أجد أحداً بجانب سريري… لا طارق، ولا رسالة، ولا علبة الحلوى التي ربما ألقاها أحدهم في القمامة.
ثم سمعتُ أصواتاً قادمة من الغرفة المجاورة. كان صوت والدة طارق، السيدة إلهام، لا يمكن التغاضي عنه: “الآن فهمتُ لماذا أُغمي على نورة في البيت! ابني لم يكن يعتني بزوجته، بل كان يحمي هذه المرأة!”
كان صوتها يرتجف من الغضب. أرجعتُ جسدي إلى الخلف بقدر ما أستطيع. كانت باب غرفتي مواربة، واستطعتُ رؤية ضباط وممرضين يتجمعون أمام الغرفة 302… غرفة سارة.
كانت السيدة إلهام هناك، وجهها يشتعل أحمراً من الغيظ، وتشير إلى سارة وكأنها تريد اقتلاعها من الوجود: “هل ترون هذا طبيعياً؟ تدخل بيت زوجة مريضة لتقبل زوجها؟ إن كانت قد فقدت الحياء، فلترفع برقع البراءة أيضاً!”
تردد حارسان عند الباب، فتصدى لهما طارق. كان زيه العسكري مجعداً، ووجهه ينم عن قلة النوم، وعلى جبهته جرح لا أعلم إن كان من أمه أو من شعوره بالذنب.
قال بصوت أحمر العينين: “لن يلمسها أحد اليوم. من يضع يده عليها سيواجهني أنا.”
نظرت إليه أمه وكأنها ترى ابنها يموت أمام عينها: “هل جُننت؟”