نهاية زواج – محمد نور

لم تكن الحياة بعد الطلاق ساحرة في البداية، بل كانت طبية، قانونية، وإدارية. مواعيد مع أخصائية نفسية، مراجعة الجراح، أرق، ونوبات غثيان كلما مرت سيارة جيب عسكرية بالقرب مني، وذعر عند سماع نغمة الاتصال التي كانت يوماً حصرية لسارة. كان عليّ إعادة تعلم الأكل دون أن تنقبض معدتي، والنوم دون مراجعة الكاميرات، والتمييز بين الصمت والإهمال.

وكان عليّ أيضاً مواجهة ما هو أسوأ من الغضب: الفراغ.

لأنني لسنوات كنتُ “زوجة القائد”. كانت مواعيدي تدور حول مهامه، ومراسمه، واحتياجاته، وصدماته، وعودته… حتى ألمي كان يدور حوله. وعندما خرج طارق من حياتي، ترك فجوة عميقة، ليس لأنه كان لا يُستغنى عنه، بل لأنني سمحتُ لكياني أن يُبنى حول جاذبيته.

سألتني الأخصائية النفسية ذات مرة: “ماذا تريد نورة الشريف؟”

سكتُّ طويلاً حتى إنها لم تلحّ. لم أكن أعرف. كنتُ أريد ألا أتقيأ، ألا أحلم بسارة، ألا أرتعد عند سماع الخطوات العسكرية، وأردتُ ألا يكون الفتى ذو الثمانية عشر عاماً الذي كتب على الزجاج المتجمد قد كبر ليصبح رجلاً يدفعني ليركض خلف امرأة أخرى. لكن ذلك لم يكن إرادة… بل كان محواً.

استغرقتُ أشهراً لأصوغ رغبة لا تتضمن نفياً.

في أحد الأيام، في مكتبة، رأيتُ دفتر مذكرات بغلاف أخضر، فاشتريته. في الصفحة الأولى كتبتُ: “أشياء أريدها قبل أن أحب أحداً من جديد.”

بدأت القائمة مرتبكة: النوم، الأكل، المشي دون التفات إلى الخلف، العودة إلى التمرين، الغناء مجدداً تحت الدش، ارتداء فساتين غير مخصصة للمراسم العسكرية، تغيير رقم هاتفي، والضحك دون شعور بالذنب.

ولاحقاً أضفتُ: الرقص، السفر بمفردي، وتقبيل شخص ما دون تذكر خيانة.

تلك السطر الأخير أشعرني بالخجل، فأغلقتُ الدفتر بسرعة، لكنه كان قد كُتب بالفعل.

بعد ستة أشهر، بعتُ البيت. ليس عن حاجة مادية، بل للتطهر الروحي. ساعدتني السيدة إلهام في اختيار ما أحتفظ به: زيّي الرسمي للحفلات، بعض ميدالياتي الخاصة، صور سنوات تدريبي قبل طارق، كتب، وصندوق رسائل قديمة لم أكن مستعدة لإحراقها بعد.

المدرعة العسكرية في تلك الليلة المثلجة لم تعد موجودة، لكنني احتفظتُ بصورة للنافذة الضبابية وعليها عبارة طارق. أملكتُ الصورة طويلاً، ولم تقل السيدة إلهام شيئاً. في النهاية، مزقتها إلى أربعة أجزاء، لا بخصام، بل بدقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *