حفل تخرج ٢ – محمد نور

>

مسحتُ دموعي.. وقال طارق: “اقرئي السطر الأخير.”

> “وإذا لم أعد.. فهناك رجل واحد أثق به ليرعاكِ ويخبركِ من كنتُ.. اسمه صالح العريان. لقد وعدني أن يحميكِ بدمه.”

>

تجمّد دمي! صالح العريان لم يكن مجرد شخص تزوج أمي بعد وفاة جلال.. بل كان صديقه الأقرب وضابطاً رفيقاً له في الس/لاح! وعندما قُ/تل جلال، ترك صالح الخدمة العسكرية، وتزوج سهام، وتبناني ليحميني.. وفي السنوات الأولى من طفولتي، كان بالظبط الرجل الذي وثق به جلال!

وهذا كان الجزء الأشد إيلاماً.. أبي (صالح) لم يبدأ كشرير؛ الخوف غيره، ثم المال، ثم الخطيئة التي تجر خطيئة أكبر للحفاظ على السجل! وعندما كبرتُ وبدأتُ أسأل، لم يعد صالح يحمي ابنة صديقه.. بل كان يحمي نفسه منها!

زرته مرة واحدة في سجن الطرة قبل صدور الحكم النهائي. كان قد كبر عشر سنوات في أشهر قليلة.

وضعتُ صورة رسالة جلال أمامه، فدمعت عيناه: “كنت أتساءل إن كانت سهام قد أحرقتها..”

“حاولت ذلك.”

أومأ رأسه: “أنا خنته يا أمل..”

“نعم.”

نظر إليّ: “أنا أحببتكِ يا أمل..”

سألته بكسرة: “متى؟”

انهار وجهه: “عندما كنتِ صغيرة.. والله كنتِ تنامين وأنتِ ممسكة بإصبعي.. كنتِ ابنتي.”

“ثم أصبحتُ عائقاً وتحديداً؟”

“لا.. بل لأنكِ أصبحتِ تشبهينه! تسألين عن كل شيء، تلاحظين كل شيء.. وبدأتُ أخاف منكِ! خفتُ إذا اكتشفتِ ما فعلناه أن تدمرينا.”

“وكنتَ محقاً.”

أومأ رأسه: “أنا آسف يا ابنتي..”

تأملته.. قضى سبعة عشر عاماً يحرص على ألا أصدق هذه الكلمة، ومع ذلك تمنيتُ لو كانت تنفع: “أنا أصدق أنك نادم يا أبي.. لكن هذا لا يعني الغفران.”

قمتُ واقفة، فقال: “جلال كان سيفخر بكِ جداً يا أمل.”

رددتُ بصوت مكسور: “كنتُ أتمنى لو كنتَ أنت من يفخر بي.”.. وغادرت.

بعد عام كامل، وقفتُ على شاطئ البحر مجدداً برفقة طارق والمساعد كمال والقائد ممدوح. وضعت القوات البحرية نصباً تذكارياً صغيراً للشهداء الذين سقطوا في تلك العمليات التي رُفعت عنها السرية.

قال طارق وهو يمازحني: “ألن تتخلي عن هذا الفستان الأسود؟”

ضحكتُ: “الأسود يستر كل شيء يا طارق!”

ثم التفت لي وقال بنبرة جادة: “أتعرفين ما أذكره أكثر من أي شيء؟ أنكِ كنتِ تحملينني وأنا صغير في الليالي الممطرة وتعيدينني لفراشي بعد أن أنام.”

“كنتَ ثقيلاً جداً!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *