عروس ابن الجبل – محمد نور
كان يعيش في أعالي الجبال خلف الشِعاب، حيث تغمر الثلوج البيوت في الشتاء وتتبع الذئاب المسافرين لمسافات. لا ينزل إلى “وادي الحجر” إلا مرات معدودة في السنة ليبيع الجلود ويشتري الطحين والملح والبارود وزيت السراج، وما لا يستطيع صنعه بنفسه.
كان أطول من معظم رجال القرية.
كتفاه عريضتان تحت معطفه البالي، وندبة قديمة تمتد من طرف لحيته نحو خده الأيسر، وحذاؤه مغبر من أثر الطريق، وفي عينيه الرماديتين الباردتين سكون مريب كمن اعتاد مراقبة القفار قبل أن تتحرك.
كان الناس ينسجون عنه القصص؛ بعضها صحيح، وأغلبها خيال.
لكن “كريمة” كانت تعرف عنه شيئاً واحداً مهماً:
أنه نظر إليها يوماً دون أن يضحك.
قبل أشهر، كانت تغادر دكان القرية عندما ارتطمت عجلة عربة بحفرة، فانزلق برميل من الدبس، ثم تبعه آخر.
وكان هناك صبي صغير يقف بجانب العربة لا يدري أن برميلاً يزن أكثر منه يتدحرج نحوه.
تحركت “كريمة” دون تفكير؛ دفعت الصبي جانباً وحسبت البرميل بذراعيها قبل أن يرتطم بالأرض.
سرت آلام حادة في ظهرها.
هرع رجلان للمساعدة، وصرخت والدة الصبي.
لم يصب الصبي بأذى.
ولكن ما إن تحقق الجميع من أن “كريمة” هي من أمسكت البرميل، حتى تحول الارتياح إلى سخرية.
قال أحدهم: «يا للهول! ضعوها في السيرك!»
وقال آخر: «أقوى امرأة في البلاد!»
وضج المكان بضحكات الرجال.
احترق وجه “كريمة” خجلاً.
ثم لاحظت “سليمان” يقف بجانب حصانه في الجهة المقابلة.
لم يكن يضحك.
درس البرميل بنظره، ثم الصبي، ثم “كريمة”… وأومأ لها برأسه إيماءة بطيئة واحدة.
لا شيء غير ذلك.
احترام.
ظلت تحمل تلك اللفتة الصغيرة معها لشهور، لأن المحروم من الطيبة يذكر حتى أصغر الفتات.
والآن، كان الرجل نفسه يمشى في ممر المجلس.
تضرب خطواته الأرضية الخشبية بثبات وتباطؤ.
لم يضحك أحد، ولم يهمس أحد.
وصل “سليمان” إلى المنصة ووقف إلى جوار “كريمة”.
حدقت فيه.
نظر هو إلى المأذون وقال: «أنت تضيع الوقت.»
رمش المأذون بعينيه: «سيد سليمان؟»
«سمعتني جيداً.»
تنحنح المأذون: «لا أظنك تفهم الظروف، فالعروس تركها عريسها وغادر.»
«أعلم ذلك.»
نزع “سليمان” قفازيه.
وجدت “كريمة” صوتها أخيراً: «سيد سليمان… لماذا أنت هنا؟»
تحولت تحسسه ونظراته نحوها؛ ليس إلى ثوبها، ولا إلى خصرها، بل إلى عينها مباشرة.