مزحة – محمد نور

— ماذا تقصدين بأن العريس لم يصل بعد؟ — سألني طارق.

التقطتُ حقيبتي:

— بالضبط ما سمعتَه.

اعترض طارق طريقي أمام الباب:

— مريم…

لم تعد بنبرته تلك الخفة المتهكمة، وتابع:

— ماذا تفعلين؟

— أستكمل حفلتي.

— مع من؟

نظرتُ إليه ثبات:

— هذا أمر لم يعد يعنيك.

انفجر مازن ضاحكًا من على الأريكة:

— هيا بنا! هل ستخترع الآن عريسًا آخر لثير غيرتنا؟

ضحك البعض معه، لكن طارق لم يفعل. كان هناك شيء في وجهي يُشعره بعدم الراحة لأول مرة. كان يعرفني جيدًا؛ يعلم أنني عاجزة عن افتعال مشهد لمجرد لفت انتباهه.

على مدار سبع سنوات، كنتُ أنا الطرف الذي يتنازل دائمًا؛ حين يأتي أصدقاؤه دون إعلام ويحولون عشاءنا إلى صخب، كنتُ أطبخ المزيد. وحين ينسى عيد زواجنا أو خطبتنا بسبب اجتماع، كنتُ أقول لا بأس. وحين يختفي لساعات في منتصف كل خلاف، كنتُ أبدأ بإرسال الرسالة الأولى.

كان طارق معتادًا على أن حبي له مطاطي بلا حدود؛ يمكنه مَطّه، وشَدّه، والضغط عليه، ومع ذلك يعود إلى شكله الأصلي. لكنه في تلك الليلة اكتشف أن حتى ما يبدو غير قابل للكسر… له حدود.

فتحتُ الباب. وقفت سارة فجأة:

— مريم…

توقفتُ:

— ماذا هناك؟

بدت وكأنها تريد قول شيء، وكانت تطوق هاتفها بيدين ترتجفان:

— لا شيء…

نظرتُ إليها لثوانٍ ثم خرجت.

كان بهو فندق “الشروق” غاصًا بالمعازيم: زملاء العمل، أساتذة قدامى، معارف والدي، وأقارب جاءوا من محافظات أخرى لحضور الحفل. جميعهم جاءوا لأنني أخبرتهم بابتهاج شديد أنه بعد سبع سنوات، قرر طارق أخيراً ترسيم علاقتنا.

عندما ظهرتُ بمفردي، اتجهت الأبصار نحوي. ابتسمتُ بقدر ما استطعت؛ لم أرد البكاء هناك، ليس أمامه، وليس أمامهم.

وفجأة… فتحت الأبواب الدوارة عند المدخل، ودخل آسر.

كان يرتدي بدلة بدت أنيقة رغم عجلة حضوره، وكان يتنفس بسرعة كأنه ركض من موقف السيارات. وجدني وسط الزحام فورًا، وتغيرت ملامحه. لم يبتسم، بل تفحصني من رأسي إلى قدمي ببحث واهتمام كأنه يتأكد أنني بخير، ثم تقدم نحوي:

— وصلتُ في سبع وعشرين دقيقة.

نظرتُ إلى ساعتي:

— بل ست وعشرون.

— إذن لكِ عندي دقيقة!

— دقيقة لِماذا؟

— لنتحدث.

لم أستطع منع نفسي من ابتسامة صغيرة لكنها صادقة. نظر آسر إلى فستاني العاجي وقال:

— تبدين رائعة الجمال.

أربع كلمات بسيطة، لكنها كادت تجعلني أبكي. فخلال الأمسية بطولها لم أسمع سوى سخرية من سعيي للزواج، ولم يقل لي أحد إنني جميلة… ولا حتى طارق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *